الأربعون المتواترة في فضائل إسطنبول الفاخرة
دراسة حديثية تاريخية للأخبار المتواترة في البشارة بفتح القسطنطينية...

نظرات في السيرة النبوية
جميع حلقات نظرات في السيرة النبوية في صفحة واحدة ...

رأي الأسبوع
الأمة بين ملحمتين والشام بين احتلالين

الأمة بين ملحمتين

والشام بين احتلالين

بقلم أ د حاكم المطيري

5 محرم 1440

15 سبتمبر 2018

من يشاهد ما يجري للأمة منذ الحملة الصليبية العظمى والحرب العالمية الأولى ١٩١٤ - ١٩١٨ وما ترتب عليها من اسقاط الخلافة الإسلامية العثمانية، واحتلال العالم الإسلامي كله، ووقوع مساجده الثلاث وعواصمه الدينية: القدس ومكة والمدينة تحت نفوذه، وتقاسم دوله، وإلغاء أحكام الشريعة، ودخول الأمة وشعوبها في مرحلة الغربة الثانية، والاستضعاف الذي حلّ بها، حتى علت عليها اليهود مع قلتهم وذلتهم؛ يعلم علم اليقين أن هذه من الملاحم التاريخية التي تواترت في شأنها الأخبار النبوية؛ كما في الحديث الصحيح عند أبي داود (إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة.. إلى جانب مدينة، يقال لها: دمشق من خير مدائن الشام)!

وكقوله عن الفتن: (والسادسة هدنة تكون بينكم، وبين بني الأصفر فيجمعون لكم على ثمانين غاية، قلت: ما الغاية؟ قال: الراية تحت كل راية اثنا عشر ألفا، فسطاط المسلمين يومئذ بمدينة يقال لها الغوطة في مدينة يقال لها: دمشق).

وقد وقع للأمة في تاريخها شيء عظيم من هذه المحن والفتن التي ذهب ضحيتها الملايين من القتلى والمهاجرين، وكانت الشام والعراق قطب الرحى الذي دارت عليها الملاحم؛ كفتنة جنكيزخان والحملات المغولية الوثنية شرقا، والحملات الفرنجية الصليبية غربا. ثم تجاوزتها الأمة بالإيمان والتوبة، وبالجهاد في سبيل الله، وبإقامة الخلافة والوحدة بين دولها؛ كما فعل الظاهر بيبرس بعد سقوط الخلافة ببغداد ٦٥٦ هجرية، فأعادها بالقاهرة سنة ٦٥٩ هجرية، واستطاع بدء حملة التحرير والتوحيد للأمة وشعوبها وبلدانها بالإسلام من جديد!

وقد قصّ ابن تيمية رحمه الله بعض ما حل بأهل الشام آنذاك وهو شبيه تماما بما حل به وبأهله اليوم، لولا أن اليوم لا خلافة أصلا فيه تنهض لدفع العدو وتجتمع الأمة عليها!

فقال رحمه الله عن تلك الفتن التي عايشها وتصدى لها حين زحف المغول على الشام: (وفي هذه الحادثة تحزب هذا العدو من مغول وغيرهم من أنواع الترك ومن فرس ومستعربة ونحوهم من أجناس المرتدة ومن نصارى الأرمن وغيرهم، ونزل هذا العدو بجانب ديار المسلمين، وهو بين الإقدام والإحجام، مع قلة من بإزائهم من المسلمين، ومقصودهم الاستيلاء على الدار واصطلام أهلها، وهكذا هذا العام جاء العدو من ناحيتي علو الشام وهو شمال الفرات؛ فزاغت الأبصار زيغا عظيما وبلغت القلوب الحناجر، وظن الناس بالله الظنونا:

هذا يظن أنه لا يقف قدامهم أحد من جند الشام حتى يصطلموا أهل الشام!

وهذا يظن أنهم لو وقفوا لكسروهم كسرة، وأحاطوا بهم إحاطة الهالة بالقمر!

وهذا يظن أن أرض الشام ما بقيت تسكن، ولا بقيت تكون تحت مملكة الإسلام!

وهذا يظن إنهم يأخذونها ثم يذهبون إلى مصر فيستولون عليها، فلا يقف قدامهم أحد، فيحدث نفسه بالفرار إلى اليمن ونحوها!

وهذا إذا أحسن ظنه قال: إنهم يملكونها العام كما ملكوها عام هولاكو سنة ستمائة وسبع وخمسين، ثم قد يخرج العسكر من مصر فيستنقذها منهم كما خرج ذلك العام؛ وهذا ظن خيارهم!

وهذا يظن أن ما أخبره به أهل الآثار النبوية وأهل التحديث والمبشرات أماني كاذبة وخرافات لاغية!

وهذا قد استولى عليه الرعب والفزع حتى يمر الظن بفؤاده مر السحاب، ليس له عقل يتفهم، ولا لسان يتكلم!

وهكذا لما قدم هذا العدو كان من المنافقين من قال ما بقيت الدولة الإسلامية تقوم، فينبغي الدخول في دولة التتار!

وقال بعض الخاصة: ما بقيت أرض الشام تسكن؛ بل ننتقل عنها إما إلى الحجاز واليمن وإما إلى مصر!

وقال بعضهم: بل المصلحة الاستسلام لهؤلاء، كما قد استسلم لهم أهل العراق والدخول تحت حكمهم!

فهذه المقالات الثلاث قد قيلت في هذه النازلة، كما قيلت في تلك – أي يوم الخندق وحصار الأحزاب للمدينة - وهكذا قال طائفة من المنافقين والذين في قلوبهم مرض لأهل دمشق خاصة والشام عامة، وهكذا أصاب كثيرا من الناس في هذه الغزاة، صاروا يفرون من الثغر إلى المعاقل والحصون وإلى الأماكن البعيدة كمصر، ويقولون : ما مقصودنا إلا حفظ العيال وما يمكن إرسالهم مع غيرنا، وهم يكذبون في ذلك فقد كان يمكنهم جعلهم في حصن دمشق لو دنا العدو، قال الله تعالى ﴿ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا﴾ فأخبر أنه لو دخلت عليهم المدينة من جوانبها ثم طلبت منهم الفتنة، وهي الافتتان عن الدين بالكفر أو النفاق، لأعطوا الفتنة، ولجاءوها من غير توقف، وهذه حال أقوام لو دخل عليهم هذا العدو المنافق المجرم، ثم طلب منهم موافقته على ما هو عليه من الخروج عن شريعة الإسلام، وتلك فتنة عظيمة، لكانوا معه على ذلك، كما ساعدهم في العام الماضي أقوام بأنواع من الفتنة في الدين والدنيا ما بين ترك واجبات وفعل محرمات، إما في حق الله، وإما في حق العباد، كترك الصلاة، وشرب الخمور، وسب السلف، وسب جنود المسلمين، والتجسس لهم على المسلمين، ودلالتهم على أموال المسلمين وحريمهم، وأخذ أموال الناس، وتعذيبهم، وتقوية دولتهم الملعونة، وإرجاف قلوب المسلمين منهم إلى غير ذلك من أنواع الفتنة:

تارة يقول المنافقون للمؤمنين: هذا الذي جرى علينا بشؤمكم؛ فإنكم أنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين، وقاتلتم عليه، وخالفتموهم; فإن هذه مقالة المنافقين للمؤمنين من الصحابة!

وتارة يقولون: أنتم الذين أشرتم علينا بالمقام هنا والثبات بهذا الثغر إلى هذا الوقت، وإلا فلو كنا سافرنا قبل هذا لما أصابنا هذا!

وتارة يقولون، أنتم مع قلتكم وضعفكم، تريدون أن تكسروا العدو لقد غركم دينكم، كما قال تعالى: ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم﴾!

وتارة يقولون: أنتم مجانين، لا عقل لكم، تريدون أن تهلكوا أنفسكم والناس معكم!

وتارة يقولون أنواعا من الكلام المؤذي الشديد...) انتهى كلام شيخ الإسلام عن تلك الأحداث العظام، والوقائع الجسام، حين غزا التتار الشام!

فمن تدبر هذه القصة ورأى ما يجري للأمة اليوم ودولها وجماعاتها وعلمائها ودعاتها واضطرابهم - حتى تزلزل أكثرهم وشك في الله ووعده! ودعا كثير منهم للمسالمة للعدو وترك جهاده، ودعا كثير منهم للأخذ بالديمقراطية التي جاء العدو بها، واستخف بالخلافة وأحكامها - أدرك طبيعة السنن الإلهية في التمحيص وأنها تمضي وفق قدر رباني واحد، وأن أمر الله غالب؛ كما قال تعالى: ‏﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾!