كتاب "الحج.. أذان إبراهيم وبلاغ محمد ﷺ"
كتاب الحج أذان إبراهيم وبلاغ محمد ﷺ أحكامٌ ربانية وحِكمٌ إيمانية ومعه أحكام الدين الحنيف في زيارة المسجد والقبر النبوي الشريف والفرق بينه وبين غيره في حكم زيارته والسلام عليه ﷺ وحكم توسعة المسجد النبوي وضم بيته ﷺ وحجبه... ...

نظرات في السيرة النبوية
جميع حلقات نظرات في السيرة النبوية في صفحة واحدة (متجدد) ...

رأي الأسبوع
الثورة العربية والطريق الثالث

"الثورة العربية... والطريق الثالث"

ما بين أوهام (ديمقراطية المحتل) وهوس (إدارة التوحش)!

 

بقلم أ.د. حاكم المطيري

الأمين العام لمؤتمر الأمة

 

لم ينته التاريخ بعد! ولسنا نعيش نهايته؛ بل نحن في حقبة من حقبه التي تعيد الأمم فيها تحديد هوياتها، وتعريف ذاتها، وتشكيل واقعها بما يعبر عن أهدافها؛ سواء طموحاتها القريبة، أو أحلامها البعيدة!

وليس العرب خاصة، ولا الأمة عامة، ببدع من أمم الأرض؛ فهي تشهد التحول الأخطر منذ سقوط الخلافة، وهو (الثورة العربية) التي عبرت عن أعمق أزماتها بكل عنفوانها، وفي اضطرامها وثورانها، وتجلت في أحداثها عظمة أحلامها، وخطورة أوهامها!

وما بين نظرية (العيش المشترك) تحت نفوذ الغرب ودوله الوظيفية (ونظمه الديمقراطية)، ونظرية (إدارة التوحش)، في ظل خلافة وهمية عدمية، يتبدى هنالك طريق ثالث راشد، لن تجد الأمة بدًّا من المضي فيه للخروج من أزمتها التاريخية، بعد أن كشفت (الثورة العربية) عن بؤس كلا النظريتين على أرض الواقع وبتجارب أربابها وتطبيقهم لها بأنفسهم!

 

بوتقة الثورة

إن الثورة هي الثورة بكل ما فيها من مُثُل عظيمة جليلة، ومبادئ كريمة نبيلة، وما ينتج عنها وبسببها ويترتب عليها من اضطراب وفوضى، وتضحيات كبرى، وشهداء وأسرى، وقد عبر عنها شوقي أحسن تعبير في أبياته الخالدة، وهو يحكي واقع الثورة السورية آنذاك وهي تواجه الاحتلال الفرنسي ما بين ١٩٢٠- ١٩٢٥م:

سلام من صبا بردى أرقُ

ودمع لا يكفكف يا دمشقُ

ومعذرة اليراعة والقوافي

جلال الرزء عن وصف يدقُ

وللمستعمرين وإن ألانوا

قلوبٌ كالحجارة لا ترق

دم الثوار تعرفه فرنسا

وتعلم أنه نور وحق

بلاد مات فتيتها لتحيا

وزالوا دون قومهم ليبقوا

وحررت الشعوب على قناها

فكيف على قناها تسترق

بني سورية اطرحوا الأماني

وألقوا عنكم الأحلام ألقوا

ولا يبني الممالك كالضحايا

ولا يدني الحقوق ولا يحق

ففي القتلى لأجيال حياةٌ

وفي الأسرى فدىً لهم وعتق

وللحرية الحمراء باب

بكل يد مضرجة يدقُ

 

اتضحت الحقائق وتبخرت الأوهام

لقد أذهل القوى الإصلاحية الثورية العربية هذا التواطؤ الغربي على المذابح الفظيعة التي تتعرض لها الشعوب العربية بعد ثورتها، وتبخرت أوهام الليبرالية والقيم الإنسانية التي طالما تغنى بها الحالمون! فإذا الغرب هو الغرب بكل وحشيته ودمويته وإجرامه وصليبيته!

وإذا هي تتذكر أبيات أبي القاسم الشابي:

لا أين فالشرع المقدس ههنا

رأي القوي وفكره الغلاب

إن السلام حقيقة مكذوبة

والعدل فلسفة اللهيب الخابي

لا عدل إلا إن تعادلت القوى

وتصادم الإرهاب بالإرهاب!

لقد كشفت (الثورة العربية) عن أحلام طفولية لدى قوى الإصلاح العربية التي تصورت أن (الربيع العربي) سيحقق التغيير بلا تضحيات كبرى، وأن الأمة ستنعم بنسائم الحرية دون حرب طاحنة تدفع فيها الأمة ثمن حريتها وتحررها من أكبر حملة صليبية واحتلال خارجي واجهته في تاريخها كله، وتوهمت أن الغرب قد يتخلى عن إنجازه التاريخي الأخطر على الإطلاق؛ ليدعها تعيش وادعة وداعة الأغنام في مرعاها بلا قوة تحميها وتحرسها!

 

السنن الثورية: حقائق تاريخية وقرآنية

إن الثورة هي الثورة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني الانفجار والاضطراب، فلا توجد ثورة مخملية، إلا في مخيلة الواهمين بإمكان التغيير في ظل احتلال أجنبي، دون مواجهته بشكل مباشر، لتتحول الثورة قدرا حتميا إلى حرب تحرير بكل ما تقتضيه حروب التحرير من أنهار الدماء، وملايين الجرحى والمهجرين والشهداء، وليتفاجأ بها الحالمون بالعيش المشترك مع الغرب قبل أن يعدوا لها عدتها، وقبل أن يستوعبوا حقائق التاريخ وقبله حقائق القرآن ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم﴾، ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم﴾!

إن الثورات بطبيعتها تجري وفق سنن واحدة مهما اختلفت ظروف المجتمعات؛ يتجلى ذلك فيما بين ثورات الشعوب من أجل الحرية من تشابه وتماثل، وما بين الثورات المضادة من أجل فرض الاستبداد والطغيان والاحتلال من توافق وتشاكل؛ كما قال تعالى: ﴿استكبارا في الأرض ومكر السيء ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فهل ينظرون سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا . أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم﴾!

كيف غابت تلك الحقائق القرآنية، والسنن الكونية، عن جماعات إسلامية كبرى بكل فصائلها، لتتفاجأ الشعوب التي وثقت بها واختارتها؛ كما في مصر وتونس واليمن وليبيا، بأدائها السياسي البائس، وعجزها الفاضح، عن قيادتها نحو التغيير المنشود وفشلها الواضح؟

ولم يكن أداؤها في الساحة الجهادية؛ كما في سوريا والعراق، أقل بؤسا وعجزا عن أدائها السياسي في ساحات الثورة الأخرى!

 

الثقة بالعدو!

كيف وثقت تلك الجماعات على اختلاف توجهاتها (الإخوانية والسلفية والجهادية) في النظام الدولي العدو التاريخي للأمة منذ قيامه على أنقاض خلافتها؟ وكيف وثقت بأنظمته الوظيفية التي فرضها على شعوبها، ونسيت تاريخ مئة عام من الاحتلال الذي ما يزال جاثما على أرضها من الخليج إلى المحيط، حتى لم يعد لها هدف إلا الوصول للسلطة أو المشاركة فيها في مؤتمرات هنا وهناك تحت إشراف عدوها، وفق نظرية (التعايش المشترك)؛ لتقوم بالدور الوظيفي نفسه الذي قام بها القوميون والليبراليون العرب من قبل؟

وهي مهمة لا يضير الاحتلال الغربي كثيرا من يقوم بها؛ فالمهم أن تبقى دوله الوظيفية بحدودها الوطنية، وأنظمتها الوضعية، وهويتها العلمانية، وارتباطها بمرجعية مجلس الأمن الذي يمثل الاحتلال الدولي المشترك للمنطقة! لتقوم بالمحافظة على الدور المرسوم لها وهو حماية إنجاز الحملة الصليبية التاريخي بالسيطرة على العالم الإسلامي!

وانتهى الحال بتلك الجماعات إلى القتال في خندق عدوها من أجل (التعايش والعيش المشترك) تحت نفوذ نظام الاحتلال الدولي!

وإذا الثورة التي خرج فيها الملايين من أجل الحرية، ولإسقاط الأنظمة الوظيفية، تنتهي بطوق من الحماية فرضه الإسلاميون في مصر حول مبنى المجلس العسكري، وجهاز أمن الدولة سنة ٢٠١٢م ليموت عشرات من شباب الثورة تحت أقدام الشباب الإسلامي الذي أثبت وطنيته، وإيمانه بالديمقراطية، وقام بالدفاع عن المجلس العسكري الذي تحكم أمريكا من خلاله مصر!

ولم يحتج السيسي لينهي ذلك المشهد التراجيدي إلا إلى أيام، فإذا البرلمان الذي كان يمثل الإسلاميون فيه ٧٥٪‏ خارج دائرة السلطة؛ بقرار السفيرة الأمريكية بالقاهرة، التي أخذت تتصل بجميع الأطراف لتشكل الحكومة الجديدة!

فخرج الجميع بكل جماعاتهم (الإخوانية والسلفية والجهادية) من المشهد كأن لم يكونوا إلى السجون أو المهجر!

ليعيشوا آثار حرب احتلال قبل أن يخوضوا المعركة مع المحتل أصلا!

وإذا الديمقراطية التي خدع الغرب بها الإسلاميين السلميين الحضاريين -كمرحلة برزخية ليدخلوا جميعا بالفخ- تنتهي بمشهد كربلائي في ميدان رابعة والنهضة!

ليقيموا بعدها عشرات المعارض في أوربا تتحدث عن وحشية الانقلاب وانتهاك حقوق الإنسان!

 

احتواء الجهاد

وعلى الضفة الأخرى من المشهد الأسطوري؛ حيث الثورة الشعبية المسلحة في سوريا والعراق -التي لا يمكن احتواؤها بالديمقراطية والبرلمان والانتخابات- يرتب لها الغرب ما يرضي هوسها، ووفق النظرية التي تناسبها؛ كجماعات جهادية مسلحة، والتي طالما بشرت بها في (إدارة التوحش)؛ لتقوم فجأة وبشكل هوليودي "دولة الخلافة" بنفسها، وبحكم الشريعة نفسها -التي توجب البيعة لها، وتوجب قتال المرتدين الذين ينادون بالحرية والديمقراطية- بمواجهة مناطق الثورة وتجريدها من سلاحها، وقتل قياداتها والفتك بفصائلها؛ لتنتهي قيادات المقاومة ثم قيادات الثورة بالشتات؛ كلاجئين في المخيمات أو في سجون نظام الخلافة!

فإذا السيسي والبغدادي وجهان لعملة واحدة!

وخرج قادة الخلافة وهم يقودون الجرافات ويفتحون الحدود بين العراق والشام في فيلم هوليودي بائس! دون أن تشتكي أي من حكومة البلدين لدى الأمم المتحدة عن رفضها لهذا الإجراء غير المسبوق!

حتى إذا قضت الخلافة على الثورة العربية في العراق، وكفت الغرب وجيوشه مؤنة مواجهتها، إذا دولة الخلافة المزعومة الممتدة من الموصل إلى حلب لا تحتاج إلا إلى قرار أمريكي بإنهاء دورها، لتقوم ميليشيات إيران -التي عجزت خمس سنوات عن مواجهة الشعب السوري- بطردها من الأنبار خلال أيام!

 

تجلى المشهد ومضى

لقد انتهت أكذوبة (التعايش الديمقراطي)، وأكذوبة (إدارة التوحش)، فإذا هي أوهام أراد العدو حين فتح الباب لها أن يقضي بها على ثورة الشعوب العربية التي عجز عنها!

وهمٌ يقيد بعضهم بعضا به

وقيود هذا العالم الأوهام!

انتهى المشهد الأول من الثورة العربية، وثبت عجز الإسلاميين بكل جماعاتهم -بغض النظر عن صدق نياتهم وإخلاصهم- وفشلهم في قيادة الأمة، إلا أن الأمة وشعوبها التي قامت بالثورة وقدمت ملايين الشهداء، ما تزال عصية على الاحتلال وعلى ربيبه الاستبداد، ولا ينقصها إلا الرشد على مستوى الوعي الفكري، والرشد على مستوى الأداء السياسي، والرشد على مستوى الأداء الجهادي!

لقد كانت السنن تقتضي هذا التمحيص لكل هذا الغثاء ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب﴾

إنها السنن التي لا تحابي أحدا، ولا تتخلف أبدا!

 

الوعي العربي وتشويه المفاهيم

لقد تعرض الوعي العربي وعبر عقود، منذ الاحتلال البريطاني الفرنسي، ثم الأمريكي الروسي، للتزييف والتضليل، فصار وقوف الشريف حسين وأولاده وشيوخ الخليج مع الاحتلال البريطاني الفرنسي ثورة عربية كبرى! يتم تمجيدها في الثقافة القومية والوطنية التي ترعرعت أنظمتها في أحضان الاحتلال الغربي وحملته الصليبية!

وصارت الانقلابات العسكرية التي أعقبتها وعمت العالم العربي -في ظل الاستقطاب بين القوى الاستعمارية، وكان وراءها كلها الاستخبارات الغربية آنذاك- ثورات من أجل الحرية والاشتراكية بل والإسلام أيضا؛ كما في ثورة الإنقاذ في السودان التي أوهم الإسلاميون قواعدهم بأنهم خدعوا أمريكا التي تفاجأت بانقلابهم! ليتبين أنهم كانوا الحل الأمثل عربيا وأمريكا للقضاء على التجربة السودانية الجديدة آنذاك التي اختار فيها الشعب السوداني حكوماته بإرادته؛ وهو ما أفزع النظام العربي الوظيفي الذي حاصرها حتى أسقطها بانقلاب عسكري إسلامي!

لقد أصبح مدلول الثورة في ذهن العربي يعني السيطرة على الإذاعة، وقراءة البيان الأول للقائد العسكري، ليصبح جمال عبد الناصر، وعبد الكريم قاسم، والقذافي، والأسد، وعلي صالح، والنميري والبشير... إلخ؛ قادة للثورة والتغيير والإصلاح!

وبات مفهوم الثورة في ذهن العربي مدلولا ممسوخا مشوها شارك في تشويهه التيار القومي والإسلامي على حد سواء؛ عبر انقلاباتهم العسكرية وتحالفاتهم مع الأنظمة الوظيفية!

وكما تم تشويه مفهوم الثورة تم تشويه مفهوم الجهاد، فلم يعد عبادة وفريضة يؤديها كل مسلم قادر دفاعا عن أرضه ودينه وأمته كلما واجهت عدوانا خارجيا؛ بل صار الجهاد إيديولوجيا سياسية ونظريات انتهت بها إلى جنون (إدارة التوحش)! والهوس في إقامة دولة إسلامية ولو في رؤوس الجبال! وتقسيم الأمة وأرضها أكثر فأكثر؛ تماما كما يريد العدو لها، وبأيدي مجاهديها الجدد، على نقيض الإسلام والتوحيد الذي وحد العرب بعد أن فرقتهم الجاهلية ليكونوا أمة واحدة!

لقد غاب جهاد العلماء والزعماء الذين لهم قدم صدق في الأمة، تعرفهم شعوبها قبل ساحات قتالها، كالشيخ عمر المختار، والأمير عبدالكريم الخطابي، والأمير عبدالقادر الجزائري، والشيخ عز الدين القسام، وابتليت اليوم بجهاد التنظيمات المجهولة ومافيا (بلاك ووتر)، التي لا تعرف من الجهاد إلا قطع الرؤوس، وتفجير الأسواق، وهدم المساجد، ولا تعرف شعوب الأمة عنها كيف ظهرت هذه التنظيمات؟ ومن أين جاءت؟ ومن يقف وراءها؟

 

إعصار الثورة كشف واقع الأمة

لقد جاءت الثورة العربية المعاصرة كإعصار عاصف، وبركان قاصف، زلزل الواقع العربي سياسيا وفكريا ونفسيا، وأسقط عروشا وأفكارا وجماعات، كانت لا تعرف في ثقافتها من الثورات، إلا الانقلابات، وصفقات السفارات، ودوائر الاستخبارات، وقاعات المفاوضات مع الاحتلال!

أو جماعات لا تعرف من الثورات إلا الاغتيالات، والتفجيرات، والمفخخات، ليس مع المحتل؛ بل مع شعوبها التي تدعي أنها جاءت لتحريرها!

لقد كشفت الثورة العربية عن واقع الأمة بكل تناقضاته ومشكلاته؛ فبدا واضحا بلا رتوش!

فلم تكن تلك الجماعات تمثل الثورة التي لم تؤمن بها أصلا، ولا تعبر عن الأمة التي لم تمثلها حقا، وليست كذلك الأمل والمستقبل! بل كانت تلك الجماعات نتاج الدول الوظيفية التي ولدت في أحضانها، وترعرعت في كنفها، وكانت كحال بني إسرائيل حين خرجوا من مرحلة الطغيان؛ فإذا هم قد تلبسوا بالثقافة الفرعونية وأوزارها ﴿ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم﴾، فأدركهم شؤمها، وشؤم ركونهم لها، وتحالفهم معها ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾!

 

الخطوات الثلاث للخروج من التيه

ومن رحمة الله بالأمة وشعوبها المنكوبة أن ثورتها ما تزال في بدايتها، وستمضي كما هي السنن الاجتماعية إلى نهايتها، حتى تحقق أهدافها، فقد جاءت الثورة تعبيرا عن أزمة عميقة جدا، واستجابة لحاجة الشعوب لتغيير واقعها، ولن تهدأ حتى تزول أسبابها بتغيير واقعها نحو الأفضل وهو ما يقتضي:

أولا:  إدراك طبيعة الصراع وأبعاده؛ فلم يعد الصراع في سوريا ولا في مصر ولا ليبيا ولا غيرها من ساحات الثورة العربية مع أنظمة وطنية تعاني من الطغيان والاستبداد؛ بل الأمة وشعوبها تواجه اليوم الاحتلال الخارجي الأمريكي الروسي بشكل عسكري مباشر، والذي لم يخرج من المنطقة منذ احتلاله لها في الحرب العالمية الأولى؛ حيث يعتبر إسقاط الخلافة العثمانية، وتقاسم أقاليمها نصرا صليبيا تاريخيا غير مسبوق، ولن يتكرر، ولن يقبل الغرب بترك المنطقة تتحرر، ومنذ أن دخل القائد البريطاني اللنبي دمشق ثم القدس، وبعده الجنرال الفرنسي غورو الذي دخل دمشق بناء على اتفاق سايكس بيكو، الذي تقاسمت فيه فرنسا وبريطانيا المشرق العربي، ومنذ تلك اللحظة ودمشق والقدس وبغداد والجزيرة العربية والخليج العربي -كما المغرب العربي- تحت الاحتلال الغربي المباشر، وقد طور الاستعمار أساليبه في ظل موجة تحرر الشعوب في نصف القرن الماضي، ومنح مستعمراته ومحمياته استقلالا صوريا، وظل يربطها باتفاقيات حماية تجعلها تحت النفوذ والتبعية، وكان آخرها اتفاقية "كامب ديفيد"؛ التي أصبحت مصر بموجبها تحت النفوذ الأمريكي المباشر وما تزال، وكذا ظلت سوريا والعراق تحت النفوذ الروسي طوال الحرب الباردة، حتى سقوط الاتحاد السوفيتي سنة ١٩٩٠م؛ حيث حاولت أمريكا أن تملأ الفراغ وحدها، حتى احتلت العراق الذي كاد يخرج عن النفوذ الأجنبي، حتى استعادت روسيا نفوذها في المنطقة من جديد، بعد تكبد الجيش الأمريكي في أفغانستان والعراق لهزيمة مرة، ما أدى لتراجع دور أمريكا، مما اضطرها للتفاهم مع روسيا على رسم دوائر النفوذ من جديد، ولو بتوظيف إيران كشرطي يحمي مصالحهما في العراق وسوريا؛ لتقاتل بمليشياتها الشيعية قوى المقاومة العراقية التي تواجه الاحتلال الأمريكي منذ ٢٠٠٣ – ٢٠١٠م، ثم تواجه مع روسيا وأمريكا قوى الثورة العربية في المشرق العربي كله منذ ٢٠١١ إلى اليوم!

ثانيا: الإيمان المطلق الذي لا يتزحزح بحق الأمة وشعوبها كلها بالثورة، ومواجهة الاحتلال الدولي، والرهان عليها وحدها في تغيير الواقع؛ فقد كشفت الثورة العربية بشكل واضح فاضح عجز التيار الإسلامي بشقيه السياسي والجهادي -فضلا عن شقه الدعوي والعلمي- عن قيادة الثورة، فلم يدرك هذا التيار طبيعة الثورة؛ وأنها ثورة أمة وشعوب، لا ثورة فصائل وجماعات، وأنها ليست ثورة جياع يحل أزمتها توفير الخبز والتنمية؛ بل ثورة كرامة وتحرر على منظومة احتلال دولي يتحكم في المنطقة منذ قرن كامل، وله أدواته وأنظمته الوظيفية، التي لم تكن حليفة له كما توهم الإسلاميون الحالمون بالتغيير بلا جهاد ولا قتال، بل هي جزء من منظومة المحتل وإدارته!

وبسبب هذا العجز نجح الاحتلال في اختيار من يمثل الثورة في كل ساحاتها؛ ممن يستطيع التفاهم معهم أو توظيفهم ولو بشكل غير مباشر في كبح جماح الشعوب الثائرة، إلى أن يستعيد الاحتلال الدولي السيطرة عليها؛ وهو ما تحقق!

فتم فجأة تشكيل الائتلاف السوري برعاية فرنسا، وتهميش قيادات الجيش الحر التي رفضت الوصاية الخارجية، وتم التفاهم مع الإسلاميين في مصر واليمن برعاية أمريكا ودول الخليج عبر المبادرة الخليجية!

وكذا تدخل الاتحاد الأوربي في ليبيا وتونس عبر بريطانيا وإيطاليا وفرنسا، ولم تمض سنتان إلا وقد عاد النظام الوظيفي في مصر عبر السيسي، وفي تونس عبر السبسي، وفي اليمن عبر هادي، وما تزال ليبيا تدفع ثمن الخضوع للشروط الأوربية عبر الإسلاميين السياسيين الذين تم تصديرهم للمشهد فجأة!

ولم يكتف الاحتلال الدولي بذلك حتى تدخل في الساحة الجهادية عبر أنظمته الوظيفية التي سبق لها أن وظفت جماعات كثيرة في ساحات الجهاد في أفغانستان والبوسنة والصومال عبر تمويلها ثم التحكم بها لاحقا!

واصطفت جماعات دعوية كبرى مع الأنظمة الوظيفية في الخليج، وصارت تتعاطف مع الثورة في مصر وتونس وليبيا واليمن، وفي الوقت ذاته تتحالف مع دولها الوظيفية التي قادت الثورة المضادة في المنطقة، حتى خرج أحد دعاتها داعيا إلى سحق الجماجم، فسارع السيسي إلى سحقها!

ويخرج آخر مؤكدا حق السلطة في قتل ثلث الشعب لحماية الثلثين! فسارع بشار إلى قتل ثلثي الشعب السوري!

ثالثا: شق الطريق الثالث؛ طريق الثورة الراشدة بفكرها وممارساتها وجهادها، وهو الطريق الذي يعبر عن الأمة وشعوبها وهويتها ودينها، بعيدا عن عُقد الجماعات وأزماتها، وبعيدا عن هوسها بالوصاية على الأمة وأوهامها، هذه الوصاية التي جعلت من كل جماعة تمارس العمل وكأنما هي دولة قائمة -وليست جماعة صغيرة في أمة كبرى بكل قومياتها وشعوبها وجماعاتها- فهي التي تحدد المصالح والمفاسد؟! وهي التي تحدد كيف تخوض الصراع مع العدو الأممي؟! وهي التي تتفاوض معه وتتنازل له؟!

وتصورت أنها هي الأمة! وهي دولة الإسلام، ولا ينقصها إلا معرفة السياسية الراشدة التي تتعامل فيها مع هذا الواقع!

‏دون أن تدرك بأنها ليست هي الأمة، وليست هي دولة؛ بل هي جماعات صغيرة جدا في معادلة الصراع، ولا يمكن لها أن تشق طريقها وحدها وكأنها دولة لا تحتاج فقط إلا إلى الدهاء السياسي!

‏فالجماعة جماعة، والدولة دولة؛ وبينهما فرق كبير في الهدف والوسيلة!

‏وهناك فرق كبير بين مقاومة المحتل ومواجهته، وبين إقامة دولة وحمايتها، فليست الطريقة الأولى وسيلة لتحقيق الثانية! فالدولة تقيمها الأمة برضاها وشوراها وبعد توفر الظروف السياسية لها؛ بخلاف القتال الذي قد تقوم به عصابة من الأمة؛ كما فعل أبو بصير ومن كان معه حين صالح النبي المشركين، فلا يقاس إقامة الدولة وشروطها على المقاومة وظروفها!

‏ومداراة النظام الدولي ومناورته شيء، والتحالف معه والرضوخ له شيء آخر تماما!

 

الأمة أكبر وأقدر من كل الجماعات

الرهان إنما هو على الأمة وشعوبها وليس على الجماعات مع فضلها وجهادها، فبدون الأمة وشعوبها لا يمكن تحقيق الإصلاح والتغيير، ولا خوض حروب المقاومة والتحرير، في ظل احتلال أجنبي أممي، فالأمم والشعوب هي التي تحدث التغيير، وتظل الجماعات تمثل الطليعة ما لم يتم اختراقها أو توظيفها لتصبح كابحا من كوابح التغيير، أو سببا من أسباب القضاء على الثورة بسوء تدبيرها، وقصور نظرها الحزبي عن إدراك مصالح الأمة وشعوبها الكلية! ولهذا يقع الصراع والنزاع بينها لطغيان الروح الحزبية الفصائلية على روح الأمة، أو لوقوعها تحت تأثير العدو الداخلي أو الخارجي بشكل أو بآخر!

‏ فاجتهاداتها مهما كانت مخلصة هي في أحسن أحوالها اجتهادات حزبية لا يمكن أن تحيط بمصالح الأمة الكلية، فيقع ما يقع فيها من قصور وخلل في الأداء، وصراع بينها وعداء؛ حين يغيب مفهوم الأمة ويتراجع أمام مفهوم الجماعة، التي قد تتحول إلى طائفة تعيش عالمها الافتراضي ومظلوميتها وتاريخها الخاص بها، وتراعي مصالحها الحزبية بدعوى أنها مصالح الأمة!

‏ وهذه أزمة ظاهرة في أداء الجماعات السياسية والجهادية على اختلاف تياراتها؛ كما حصل في العراق، وما يجري في سوريا بين نفس الجماعات؛ وبنفس الأسباب والحجج! دون أن تدرك هذه الجماعات طبيعة التغير والتحول التاريخي الذي تعيشه المنطقة وطبيعة الثورة العربية، ودور الشعوب فيها! وكيف أنها ثارت على الطغاة وأسقطتهم؛ فجاءت هذه الجماعات السياسية؛ فأعادت الشعوب التي اختارتها ووثقت بها -بسبب قصور أدائها وعدم إدراكها لطبيعة الثورة وركونها للنظام الدولي- وسلمتها للأنظمة الوظيفية من جديد؛ كما جرى في مصر وتونس والعراق!

‏وعادت هذه الجماعات السياسية من جديد بعد الثورة المضادة ترمم علاقاتها مع الأنظمة الوظيفية وتبحث عن مصالحها الحزبية وتسعى للمصالحة مع الطغاة! لتتخلى عن الأمة وثورتها في أوج مواجهة الأمة للنظام الدولي الاستعماري وحكوماته العربية الاستبدادية!

‏فصار أقصى أمانيها أن تشارك في سلطة وظيفية يعترف بها مجلس الأمن الذي يمثل الاحتلال الدولي المشترك للعالم العربي!

‏وكذا جاءت بعض الجماعات الجهادية لنصرة الثورة العربية؛ فرحبت بها شعوبها؛ فصارت هذه الجماعات فجأة -بعد أن استقوت بأموال الأمة وشبابها- وصيا على الشعوب وأرادت عودة حكم المتغلب الذي ثارت الشعوب للتخلص منه! وصارت تمارس ما تمارسه الأنظمة الطاغوتية من قتل وسحل وتعذيب وسجون؛ كما يجري في العراق وفي سوريا!

‏وهي بلا شك أزمة عميقة كشفتها الثورة العربية، والأمة وشعوبها قادرة بإذن الله على ترشيد أداء الجميع، فالشعوب التي أسقطت الطغاة لن تعجز عن فرض إرادتها على الجماعات!

‏ لقد أكدت تلك الأحداث كلها أن الوعد بالنصر والاستخلاف هو للأمة، فهي الأمة المرحومة المنصورة؛ كما في الحديث: «رأيت مشارق الأرض ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها»، فهي التي ستملك وتسود ويوم القيامة يقول النبي : «اللهم أمتي أمتي»!

‏وهي المعصومة من الانحراف بمجموعها «لا تجتمع أمتي على ضلالة».

‏وهي الجماعة المأمور في كل الأحاديث بلزومها؛ كما في الصحيحين: «إلزم جماعة المسلمين وإمامهم»!

‏وهي المحفوظة كما في حديث: «سألت ربي ألا يهلك أمتي بسنة عامة ولا يسلط عليهم عدوا من غيرهم يستبيح بيضتهم فأعطانيها»!

‏والجماعات مهما اجتهدت؛ فليست هي الأمة بل هي جزء منها، وليست معصومة من الانحراف ولا موعودة بالنصر ولا بالحفظ العام؛ بل ذلك كله موعودة به الأمة بمجموعها! وأحاديث الطائفة المنصورة دليل على عصمة الأمة بمجموعها؛ إذ لا تجتمع كلها على ضلالة ولا باطل؛ لوجود طائفة فيها ومنها منصورة، وهي طائفة غير معينة بأشخاص؛ بل موصوفة بأوصاف، لا ينفك يوجد في كل فئات الأمة ومكوناتها من يتصف بها؛ كالجهاد بالقتال والسنان، والعلم والبيان، ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾!  ولهذا احتج الأئمة على حجية الإجماع وعصمة الأمة بحديث الطائفة المنصورة، الذي يفيد بأن الأمة لا يمكن لها أن تضل كلها عن الحق لوجود طائفة منها قائمة به ظاهرة بالحق به؛ دون تحديدها بجماعة واحدة، لتشترك الأمة كلها بهذه الصفة والفضل، فكل من جاهد لنصرة هذا الدين؛ فهو من الطائفة المنصورة من كل مكونات الأمة!

‏وأمة الإسلام بكل شعوبها ومكوناتها هي الأمة الوسط التي جعلها الله شهيدة على الأمم، فمن أثنت عليه خيرا؛ فهو على خير، ومن أثنت عليه شرا؛ فهو على شر! سواء كان سلطة أو جماعة أو فردا! كما في الصحيح: «أنتم شهداء الله في أرضه»!

‏فالأمة هي القيم على الجميع، وهي التي تشهد عليهم وعلى أدائهم، فمن أحسن؛ قالت له: أحسنت، ومن أساء؛ قالت له: أسأت!

‏ولا يمكن لها ولعامتها وأكثرها أن تضل عن الشهادة التي أقامها الله لها؛ ولهذا ورد: «عليكم بالسواد الأعظم»، ولمعناه شواهد صحيحة؛ كحديث: «عليكم بالجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد»؛ فدل على أن الجماعة كلما كثر عددها؛ كان ذلك أدعى لإصابتها للحق وبعدها عن الخطأ، فالأمة وشعوبها هي السواد الأعظم، وهي العدد الأكثر الذي لا يمكن أن تتواطأ على الخطأ؛ بخلاف الجماعة الواحدة التي تتواطأ على قرار واحد! ومن ذلك أيضا حديث الدين النصيحة: «ولعامة المسلمين»، وكل ذلك يؤكد مكانة أمة الإسلام بمجموعها، وهي الشهيد على من دونها، وسوادها الأكثر أقرب في إصابته للحق من جماعاتها، ومن نظر وجد ذلك ظاهرا جليا في تاريخ الأمة القديم والحديث؛ كما حدث في احتلال العراق حيث تورطت فيه دول وجماعات وكان عامة الأمة ضده ومع مقاومته! وكذا احتلال أفغانستان وقف عموم المسلمين ضده، وكذا الانقلاب السيسي وانقلاب تركيا وقف عموم المسلمين ضدهما؛ بينما تورطت فيه حكومات وجماعات!

‏فالعقل الجمعي الإسلامي للأمة مهما بدا ضعيفا؛ فهو أقدر على إدراك مصالحها العليا من هذه الجماعة أو تلك! وهو الأقدر على إخراجها من أزمتها والتيه التي هي فيه، وقد بدأ الجميع يتواضع أمام الأمة وشعوبها بعد أن جربوا السير وحدهم في طريقهم الحزبي السياسي والجهادي، ووجدوا أنهم وأمام التداعي الأممي لا يمكن لهم إلا أن يعودوا إلى الطريق الثالث؛ حيث الأمة وجماعتها وثورتها وجهادها وتضحياتها ووعد الله بالنصر لها على عدوها ولو بعد حين؛ وقد بدأت تباشيره وبزوغ فجره ولم يبق إلا الأذان له وما أقرب موعده أليس الصبح بقريب!

اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد توحد به شملها، وتؤلف ذات بينها، وتقيم به دينها، وتحفظ به أمنها..

آمين آمين

فجر الخميس

١٠ صفر ١٤٣٨ هـ

١٠ نوفمبر ٢٠١٦م