كتاب نهاية الاستبداد
كيف ينجح الاستبداد في توظيف الأديان التي جاءت أصلا من أجل العدل والرحمة والإحسان؛ ليجعل منها وسيلته لممارسة كل صور الإجرام والفساد في الأرض، والظلم والطغيان، باسم الله وباسم الأديان، مع موت الضمير والوجدان؟!...

نظرات في السيرة النبوية
جميع حلقات نظرات في السيرة النبوية في صفحة واحدة (متجدد) ...

رأي الأسبوع
الأحكام السياسة ومقاصدها الكلية.. نظرة فقهية أصولية

الأحكام السياسة ومقاصدها الكلية

نظرة فقهية أصولية

بقلم أ.د. حاكم المطيري

15 ذو القعدة 1439هـ

28 يوليو 2018م

الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده وبعد..

فإن علم المقاصد علم شريف من علوم الشريعة،‏ وغاية الفقه، ومهمة الفقيه: هو فهم النصوص كما أراد الشارع، وتحري الحكمة والغاية من التشريع لها، حتى تقام أحكام الإسلام وفق الحكمة منها، فلا تخرج عن الصراط المستقيم، ‏﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾، وقد أوجب الله التفقه في دينه لإقامته على وفق أمره وحكمته ‏﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم﴾، وجاء في الصحيح (من يرد الله به خيرا يفقه في الدين، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله) فيجب عند تنزيل أحكام الشرع على الواقع وتحري مقاصدها وحِكَمها أن تكون على وفق أمر الله وألا تناقضه فتكون كفرا به، ولا تقصر عنه فتكون فسقا عنه أو تفريطا به، ولا تتجاوزه فتكون غلوا وإفراطا فيه!

‏فالغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب هي إقامة الدين ‏﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾، قال الطبري في تفسيره: (أن اعملوا به على ما شرع لكم وفرض.. ولا تختلفوا في الدين الذي أمرتم بالقيام به، كما اختلف الأحزاب من قبلكم).

ولهذا أجمعت المذاهب الفقهية التي تحتج بالقياس على مراعاة مقاصد الأحكام وغاياتها، وجعلتها الأساس في كثير من النوازل التي لا يوجد فيها نص، أو يوجد النص في مسألة جزئية، أو يوجد النص ويتعذر العمل به، فيجتهد الفقيه ويتحرى عند عدم النص في النوازل القياس على نظائرها بجامع العلة وهو الوصف الظاهر المنضبط المناسب لترتب الحكم عليه، وحين لا يوجد النظير لها يتحرى الحِكم التي يراعيها الشارع، وهي المقاصد الكلية للشريعة عموما، أو مقاصدها الخاصة في موضوع النازلة إن كانت في البيوع أو النكاح والطلاق أو السياسة أو غيرها من الموضوعات التي لها مقاصد تخصها، فيراعي الغاية التي يتحراها الشارع في أحكامه الكلية أو الجزئية، وكذا إذا وُجد نص في قضية جزئية وعُرف الوصف الذي رتب الشارع الحكم عليه جُعل هو المعيار الذي يصلح أن يمتد به النص ليعم ويشمل كل الصور والنوازل التي وجد فيها الوصف، وكذا إذا وُجد النص وتعذر العمل به، كما هو واقع الأمة اليوم حيث حيل بينها وبين إقامة الشريعة وتعطلت أحكامها بقوة المحتل الخارجي، فهنا تراعى المقاصد التي يتحراها الشارع كإقامة العدل والقسط في القضاء، وصيانة الحقوق والحريات والدماء والأموال وتقدم على الحدود والعقوبات الجائرة التي يفرضها الطغاة..

فتكون المقاصد هي الهادي للفقيه في تحري غايات الشرع وحكمة أحكامه وتشريعاته؛ فيقيم الحكمة الشرعية مقام الحكم الشرعي عند عدمه أو تعذر إقامته.

ومقاصد الشارع هي في نصوصه وأحكامه القطعية والظنية فلا يترك العمل بها ما أمكن إقامتها ‏﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك﴾..

وفي الصحيح: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم).

وقد أقام النبي حد السرقة على المرأة المخزومية مع شرفها ولم يقبل الشفاعة فيها، وقال (والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، وأقام حد القذف على حسان ومسطح، وأقام حد الرجم على ماعز والغامدية، وأقام حد القصاص.

وقد حرم الله ترك الحكم بما أنزل له في كتابه وعلى رسوله مع القدرة عليه وعدم وجود ما يمنع من إقامته فقال ‏﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ وفي الحديث الصحيح عند أحمد وصحيح ابن حبان: (لتنتقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا: الحكم وآخرهن الصلاة).

المرجعية في الأحكام السياسية:

وقد أمر الله باتباع النبي وما كان عليه أصحابه وخلفاؤه الراشدون؛ كما قال تعالى: ‏﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾ ‏﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾ ‏﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾..

وقد أوجب النبي - كما في السنن وصحيح ابن حبان - لزوم سنته وسنة خلفائه الراشدين من بعده في سياسة الدولة وشئون الأمة؛فقال: (قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ).

وكما في [الصحيحين]: عن أبي هريرة، قال : «إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، وإنه لا نبي بعدي» قالوا: فماذا يكون يا رسول الله؟ قال: «يكون خلفاء فيكثرون فأوفوا بيعة الأول فالأول».

فقد حدد النبي معالم النظام بعد النبوة؛ وأن حال هذه الأُمة ليس كحال بني إسرائيل من قبل؛ كلما قَبَض الله نبيًّا بَعَث نبيًّا مكانه، وإنما بعد هذا النبي الخاتم سيكون خلفاء يعملون وفق هَدْيه وما جاء به، فالخلفاء الراشدون في الأمة بعد عهد النبوة كأنبياء بني إسرائيل الذين كان يخلف بعضهم بعضا في سياسة قومهم بالوحي، كما في الحديث الصحيح الآخر: «ما بعث الله من نبي إلا وكان له حواريون من أصحابه، يهتدون بهَدْيه، ويقتدون بسُنّته» وهؤلاء هم الصحابة والخلفاء الراشدون؛ الذين ذكرهم النبي في أحاديث أخرى. فَهُم على هُدى النبوة، كما في حديث (تكون النبوة فيكم ما شاء الله لها أن تكون ثم تكون خلافة على منهاج النبوة...)، وقال : (خلافة النبوة ثلاثون سنة) وهي مدة خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة، وقال : «مَنْ يعش منكم فسيجد اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنتي، وسنة الخلفاء الراشدين» فحدد المعيار والنموذج.

ولم يُبطِل ما وراء ذلك، كما في حديث: «يكون خلفاء فيكثرون فأوفوا بيعة الأول فالأول» وقوله: «خلفاء فيُكثرون» يدل على أن الخلافة تمتد، وإن حدث فيها ما حدث من تراجُع.

وهذا الذي وقع بعد وفاته فأجمع الصحابة على نظام سياسي واضح المعالم، وأجمعت الأُمة على إجماع الصحابة، وامتد هذا الإجماع حتى سقطت الخلافة.

فالنظام السياسي في الإسلام قائم على أصول قطعية، ولا يُتصوّر الإجماع إلا على أصلٍ قطعي، والمقاصد تأتي في هذا الإطار، فالمقاصد الكلية عادةً لا تكون مقاصد إلا لتوارد النصوص وتواترها في شأن هذا المعنى وهذا الوصف، وأنه مقصودٌ للشارع.

فاجتمع النص والإجماع القطعي على وجوب اتباع سنن الخلفاء الراشدين لمن تولى الخلافة والإمارة وأراد سياسة شئون الأمة.

فدليل النص؛ كما في قوله تعالى ﴿ومن يتبع غير سبيل المؤمنين﴾ وهم الصحابة، وقوله: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾؛ وكما في حديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) وحديث (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر).. الخ

ولوضوح هذا الأصل أجمع الصحابة على بيعة عثمان؛ كما في صحيح البخاري: قال عبد الرحمن بن عوف له: (أبايعك على سنة الله، ورسوله، والخليفتين من بعده) فرضي عثمان (فبايعه عبد الرحمن، وبايعه الناس المهاجرون والأنصار، وأمراء الأجناد والمسلمون).

ولم يبق أحد إلا وعقد البيعة على أساس الكتاب والسُّنة وسُنّة الشيخين، وهذا الذي أَمَر الشارع به في موارد كثيرة كما في قوله تعالى: والذين اتبعوهم بإحسان ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ فأمر اتباعهم بإحسان، واتباعهم من الصراط المستقيم؛ كما في قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم﴾ وهم هنا النبي وأصحابه عامة والخلفاء الراشدون خاصة، كما في الآية الأخرى ﴿من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ ولا خلاف على أن أبا بكر هو صديق هذه الأمة وعمر شهيدها وفاروقها، وسبيلهم هو سبيل النبي وهو صراط الله المستقيم ..

فهذا النظام السياسي هو من الصراط المستقيم.

وهذا الصراط المستقيم له أئمة يُقتدَى بهم، ويُهتدى بهَدْيهم.

والإسلام كله قائم على أساس الإيمان بالغيب، والاتباع للرسول بالطاعة المطلقة.

ظهور مقاصد الأحكام السياسية:

وتأتي المقاصد لتدور حول هذا المعنى الرئيس، وهو حقيقة: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ وهو الغاية الرئيسية في تحقيق العبودية لله.

هذه العبودية هي التي يتحقق بها صلاح الفرد والمجتمع والخَلْق ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ مَنْ آمن، ومَنْ لم يؤمن!

ومَنْ يقرأ تاريخ الأمم يُدرِك كيف كان هذا الدين رحمة للعالمين منذ أن ظهر النبي في المدينة، وحَرّر العالم من طُغيان كسرى وقيصر، وبَشّر بهلاكهما، إلى أن سقطت الخلافة والتي ليست هي بشخص الخليفة، إنما هي استخلاف الله للمؤمنين في الأرض؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾؛ فهذه ثلاثة أصول:

- الاستخلاف: وعدهم الله بالظهور والسيادة: من خلال الدولة.

- وتمكين الدين، وظهور أحكامه، وأن تستظل هذه الأُمة بعدل هذا الشرع الذي نزل هُدى ورحمة.

- والأمن إلى أن سقطت الخلافة.

فلما أسقط العدو الخارجي الخلافة وفَرَض هذا الواقع؛ أصبحت الأُمة اليوم يتنازعها طائفتان:

- طائفة تُمَثِّل الطغيان الذي يحكم، ودوله الوظيفية؛ وهي بكل ممارساتها الخارجة عن الدين تحتج بالمقاصد، وأن ما تمارسه من أحكام الضرورات، وأنها تراعي المصالح. حتى صارت الموبقات التي تقترفها بحق الإسلام، وبحق الأُمة، وبحق المستضعفين تمارس باسم المصلحة، إن لم يكن بلسان الحال فبلسان المقال! حتى جعلوا حصار المسلمين من المصلحة، وقَتْل الأبرياء من المصلحة، ولهم من العلماء مَنْ يُفتي لهم على هذا الأساس!

وذلك من تأثير موروث الأمم الأخرى على الثقافة والخطاب الإسلامي؛ كما أخبر النبي وحَذّر، قال: «لَتَتّبعن سَنن مَنْ قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضَبٍّ لدخلتموه؛ فارس والروم».

وفي الحديث الآخر: «تأخذ أُمّتي أَخْذ القرون من قبلها؛ اليهود والنصارى».

قال الحافظ ابن حجر: (حيثما ذكر فارس والروم ففي سُنن الحُكم وسياسة الأمم -أنها تتبع هذه الأُمة- وحيثما ذكر اليهود والنصارى؛ ففي شئون الدين والابتداع فيه).

وهذا ما حدث؛ فالموروث الساساني السلطاني دخل مبكرًا، لكنه كان في حين أن الخلافة قائمة، والشريعة حاكمة، والجهاد ماض، والأُمة ظاهرة على الأمم.

فحدثت نتيجة لذلك تراجعات في الشورى، واستئثار واستبداد، إلا أنها من حيث العموم ظلت الأمة في هذا الخير؛ والظهور على الأُمم، والسيادة في الأرض؛ كما وعدها الله عز وجل.

وظل الموروث الساساني يخترق الثقافة الإسلامية من خلال الفقه المؤوّل إلى أن أصبح السلطان "ظل الله في الأرض"! وشاعت هذه الثقافة التي لم تكن في الخطاب القرآني ولا النبوي ولا الراشدي.

وكذلك أثّر الفكر الروماني واليوناني الذي جاء بموروثه، بالعلمانية، وبالديمقراطية، وبالقومية وغيرها من المفاهيم التي غزت حتى كانت أحد أسباب سقوط الخلافة حين تبناها قطاع واسع من الأتراك مبكرًا حيث تبنوا فكرة القومية والعلمانية، هم والعرب على حد سواء.

فسقوط الخلافة كان نتيجة طبيعية، حين غزا الغرب بثقافته الاستشراقية، كما حَذّر النبي وأخبر، وجَرَت عليها السُّنن التي تجري على الأمم في حال ضَعْفها.

- والطائفة الأخرى أصبحت النظرية المقاصدية عندها هي الشرع ذاته والحقيقة النهائية التي تريدها الشريعة!

وهي نهاية شبيهة تماما بما انتهت إليه الصوفية الباطنية من سقوط التكاليف والأحكام والتخلي عن الطريقة لوصول الولي إلى الحقيقة، وما انتهت إليه الفلسفة الباطنية التي ترى أن الرسول جاء لمخاطبة العامة وإصلاحهم، أما الفيلسوف فهو محل فيض العقل الأول؛ فلا يحتاج إلى الوحي!

وبما انتهى إليه المتكلمون الباطنيون الذين رأوا أن النقل تابع للعقل خاضع لأحكامه؛ فيرد منه ما يشاء ويؤول ما يشاء!

فأهدرت هذه الطائفة كل النصوص التي لا حصر لها في موضوع الخلافة الراشدة وأحكامها التي أجمع عليها الصحابة والأمة من بعدهم، وتجاوزت موضوع حاكمية الشريعة، وموضوع وحدة الأمة ودار الإسلام، وموضوع الجهاد للدفاع عن الأمة وشعوبها؛ فأصبح يُطرَح اليوم على الأُمة أن الخطاب القرآني والنبوي والراشدي خطاب مثالي، غير واقعي.

وأن قول النبي : «عليكم بسُنتي وسُنّة الخلفاء الراشدين» ليست الأمة مُخاطبة به، أو من التكليف بما لا يُستطاع؟

فمَنْ يدعي أن هذه مثالية؛ فهو:

- إما أنه ينفي قيام دولة راشدة في تاريخنا الإسلامي؛ وهنا تكمن المكابرة، والخروج عن دائرة المعقول فيما يقول.

- أو يعترف بأنه في فترة من الفترات قامت خلافة راشدة؛ وهنا كما يقول المناطقة: الحدوث دليل الإمكان. فالأمة مخاطبة بأن تقيم خلافة راشدة وفق أصول هذا النموذج الراشدي.

لا أن تنتهي هذه الطائفة إلى القول بأنه لا يوجد نظام سياسي إسلامي، ولا دولة؛ وهذه فقط تجربة تاريخية، وهو ما انتهى إليه علي عبدالرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) إلا أنه كان أكثر شجاعة وجرأة في تأسيس نظريته لا على أساس تبريري مقاصدي!

ألم يقم النبي دولة عاصمتها المدينة امتد سلطانها على كل جزيرة العرب، وأرسل الولاة والقضاة والجباة لكل أقاليمها للحكم بالإسلام وشريعته، وجاهد في سبيل الله وعاهد وصالح وأقام الحدود وحمى الحقوق؟

ألم يوجب النبي على خلفائه والأمة من بعده لزوم سننه وهديه وحكمه وحرم الإحداث في الأمر من بعده فقال (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وقال (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)؟

ألم يقم الخلفاء الراشدون الخلافة الراشدة على هدي النبوة فحافظوا على وحدة الأمة والدولة وفتحوا الأرض وأقاموا العدل والقسط فتحقق موعود الله لهم ﴿ليستخلفنهم في الأرض﴾؟

هذه الخلافة التي أجمع الصحابة عليها كيف اخترعوها؟

هل يتصور أنها اجتهاد محض؟

هل يتصور أن إجماعهم كان بلا نصوص شرعية قطعية؟

هل ابتدعوا الخلافة بعد وفاة النبي مباشرة، وأجمعوا على ذلك!

بينما نجدهم رضوان الله عليهم عندما أراد منهم عمر أن يجتمعوا على إمام واحد في التراويح، قالوا له: أبدعة يا عمر هي؟

قال: (نعمت البدعة)؛ لأن النبي فعل هذا، وإنما ترك الإمامة فيهم، بعد أن صلى أيامًا خشية أن تُفرَض عليهم، فلما تُوفي لم يعد يُخشَى من هذا الأمر، فجمعهم عمر، وكان الصحابة قد اعترضوا، لكن لم يعترض أحد من الصحابة حين فرض عمر تدوين الدواوين والاستفادة من النُّظُم الإدارية في فارس والروم.

لأنهم يُفَرِّقون بين الآليات والوسائل، وبين الأحكام؛ فهناك أحكام، كوجوب الشورى، وأن هذا الأمر للأُمّة، حتى قال عمر على المنبر، وأجمع الصحابة عليه، «مَنْ بايع رجلًا دون شورى المسلمين فلا بيعة له، ولا الذي بايعه تغرة أن يُقتلا»، وفي رواية «فلا يحل لكم إلا أن تقتلوه»، وأجمع الصحابة على هذا، فهذا حُكم.

والنبي يقول: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الثاني منهما»، وعلى هذا أجمعت الأمة.

أما الاجتهاد: فالسياسة أوسع الأبواب على الإطلاق في باب الاجتهاد والمقاصد عند مَنْ يؤمن بأن هناك نظام سياسي إسلامي، أقامه النبي ، وأُمرنا بالاقتداء به في سياسة الأُمة.

وباب الإمامة والإمارة والسلطة وأحكامها هو أكثر الأبواب نصوصا، وأظهرها مقاصدا، وتتجاوز نصوصها في القرآن وحده أكثر من خمسمئة آية في وجوب الجماعة، والإمامة وأحكامها، ووحدة الأمة، ووجوب الشورى، والحكم بما أنزل الله، ووجوب العدل، وأحكام القضاء والشهادات، وتحريم الظلم والعدوان على النفس والمال والعرض، وإقامة الحدود وأحكام الجنايات والديات، وأحكام الزكاة والفيء والغنيمة، ووجوب الجهاد في سبيل الله، وأحكام المغازي والسير والصلح..

إلى غير ذلك مما أتى من أحكام منوط إقامتها بالسلطة، ولا يمكن أن يقوم أكثرها أصلا إلا بها، وقد ورد تفصيل أحكام هذه الموضوعات في السنة النبوية في أكثر من ألف حديث صحيح في صحيح البخاري وحده؛ كما عدها ابن حجر وهي على النحو التالي:

الزكاة ١١٣ حديثا

المظالم ٤٥ حديثا

الشهادات ٥٦ حديثا

الصلح ٢٠ حديثا

الشروط ٢٤ حديثا

الجهاد والسير ٢٩٤ حديثا

فرض الخمس ٦٣ حديثا

الجزية والموادعة ٢٨ حديثا

الهجرة والمغازي ٤١٢ حديثا

الحدود ٣٢ حديثا

المحاربة ٥٢ حديثا

الديات ٥٤ حديثا

استتابة المرتدين ٢٠ حديثا

الإكراه ١٢ حديثا

الأحكام ٨٢ حديثا

الاعتصام ٩٨ حديثا

وقد بلغ عدد أحاديث السياسة وأحكامها الصحيحة في مسند أحمد ألف حديث عدا الموضوعات الأخرى!

فالأحكام الواردة في النظام السياسي الإسلامي أوسع من كونها تختزل باختيار السلطة فقط، بل تعمّ مسئوليات السلطة؛ ومنها: أَخْذ الزكاة، وصَرْف الأموال، وإقامة الحدود، والقضاء بين الناس وفق حُكْم الله ورسوله، والجهاد في سبيل الله.

وكل هذه الأحكام والصلاحيات والمسئوليات من سيقيمها إن كان -كما يزعمون- لا يوجد نظام سياسي في الإسلام!

لقد أقام النبي نفسه الدولة كما أرادها الله، وشرع لها الأحكام الكلية والجزئية؛ فاكتمل لها الشرع والتنفيذ ‏﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، كما قال الشاطبي في الموافقات ٣/ ٣٣٦: (ثم لما خرج رسول الله إلى المدينة، واتسعت خطة الإسلام؛ كملت هنالك الأصول الكلية على تدريج؛ كإصلاح ذات البين، والوفاء بالعقود، وتحريم المسكرات، وتحديد الحدود التي تحفظ الأمور الضرورية وما يكملها ويحسنها، ورفع الحرج بالتخفيفات والرخص، وما أشبه ذلك، وإنما ذلك كله تكميل للأصول الكلية)

وقد ساس هذه الدولة من بعده الخلفاء الراشدون فلم يواجهوا مشكلة في النصوص وسعتها، والمقاصد واتساعها، وإنما لما درست معالم الخلافة الراشدة، وطغى الفقه المؤول في كتب الأحكام السلطانية قلت العناية بالنصوص المجمع على صحتها في باب الإمامة والإمارة، فلما سقطت الخلافة في العصر الحديث بقوة المحتل وشوكته، أقصى معها الشريعة التي هي الأساس القطعي الذي قامت عليه الخلافة نفسها، فوجد المسلمون أنفسهم في حال عجز عن استعادة الخلافة، وعن إقامة الشريعة، وعن إقامة الجهاد الذي يحمي الشريعة والخلافة، فبدأ البحث عن حل للواقع وللنوازل خارج نصوصها باسم المقاصد!

فانتهى الحال ببعض دعاة المقاصد إلى التخلي أصلا عن حاكمية الشريعة نفسها، ليس في باب الإمامة وأحكامها بل حتى في أخص أحكام الأسرة! وجعل ما يتوهمه من مصالح باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان التي فرضها الغرب بقوة السلاح هي الحكم والمرجع، فأحلوا أحكام الضرورات محل علم المقاصد، مع ما بين البابين من فرق عظيم لا يخفى على فقيه، إذ أحكام الضرورات لرفع الحرج عند العجز والمشقة، بينما المقاصد مراعاة أصلا في حال السعة والاختيار لا فقط في حال الضرورة والمشقة!

ومن يصل به الأمر إلى هذا الحد من التفصي عن أحكام الشرع فإنه يخرج عن حد علم المقاصد إلى تأصيل علم المفاسد، وتبرير تعطيل أحكام الشرع من أصلها بذريعة أنها أصلا تقضي بذلك في حال السعة، وأن إقامة الخلافة ليس أصلا من أصول الخطاب القرآني والنبوي والراشدي، ولا تحتاجه الأمة لوحدتها واجتماع كلمتها! بل ولا وجود عندهم للدولة أصلا في الإسلام! ولا توجد لها في نظرهم أحكام أصلا قطعية أو ظنية! ليتم تعطيل كل ما أقامه النبي وجاهد من أجله من أحكام الإسلام وأقامه من بعده وخلفاؤه الراشدون لا لشيء إلا اتباعا لأهواء الحضارة الغربية الغالبة، تحت اسم علم المقاصد لشرعنة وترويج هذا الباطل في ظل ضعف الأمة وعجزها، حتى إذا تبدلت أحوالها واستعادت قوتها، فإذا علم المقاصد نفسه يبرر واقعها ويمنع من عودة الشريعة وإقامة أحكامها بدعوى أن هذا هو الشرع نفسه!

وذلك لكون أسرى الواقع يظنون أن التاريخ انتهى إلى هذه الدول الوظيفية التي أقامها المحتل!

فلا يستطيع أسير الواقع أن يحل مشكلاته، وهو مأسور أصلًا، فكل ما يراه هو ما وصل إليه هذا النظام الطاغوتي!

فيظل يقدم التنازلات استرضاءً للغرب! والله ورسوله أحق أن يرضوه.

﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾.

فمهما قدمت الأُمة من تنازلات لن تُرضيهم، ولن يرضوا!

المقاصد السياسية في النصوص الشرعية:

وقد جاء الإسلام هدى ونورا، وجعل الهداية في طاعة الله ورسوله واتباع أمره ونهيه، كما قال تعالى: ‏﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ ومعرفة مراد الله وقصده وهدايته؛ إنما تكون بمعرفة أمره ونهيه، فالأمر الصريح والنهي الصريح يدلان بظاهرهما على قصد الشارع بفعل المأمور وترك المحظور، فليس أحد أعلم بالله ومراده وقصده من الله ومن رسوله.

وقد علل الشارع كثيرا من أحكامه السياسية بغاياتها ومقاصدها، وهي تحقق أسمى معاني العبودية لله من جهة، وأسمى معاني الإنسانية وصلاحها من جهة أخرى؛ كما في تعليل القصاص بتحقق التقوى ‏﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون﴾، وقال عن الغاية من وجوب الاعتصام وهي تحقق الهداية والاهتداء لما فيه الخير والصلاح لهم ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ... كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون﴾، فالاجتماع هُدى ورحمة. بينما يُقرّر اليوم أن الافتراق مشروع وجائز، بل هو الحل والمصلحة، ويتنصلون من نصوص القرآن: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ والآيات التي وردت، والنصوص والأحاديث المتواترة في شأن الاجتماع.

وهذا هو السبب الذي أدى إلى إجماع علماء الأصول، وعلماء المقاصد على عدم اعتبار المصالح التي ألغاها الشارع؛ لأن البحث في المصلحة هو حيث عُدِم النَّص والإجماع، أما إذا وُجِد النَّص والإجماع فالنَّص والإجماع هو المصلحة، والعمل بهما هو المصلحة.

فقَصْد الشارع هو في نَصّه، فإذا لم يكن له نصّ بحث من مجموع النصوص عن الحكمة التي قصدها، والغاية التي أرادها، ونتوصل من خلال المجموع إلى حُكم الشارع، وليس حُكم الأهواء!

وقال تعالى عن غاية تحريم أكل الربا: ‏﴿لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ والفلاح الفوز والنجاح.

وعلل وجوب الطاعة لحكم الله ورسوله بتحقق الرحمة ‏﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾.

وتعليل الأحكام ومعرفة مقاصدها من أهم مباحث أصول الفقه وقواعده التي تضبط فروعه، حتى لا يقع الخلل بين ظواهر الأحكام الشرعية وحِكَمها الغائية النهائية، ولا تعرف المقاصد إلا بالنصوص بأفرادها تارة، وبمجموع مواردها تارة أخرى.

وحقيقة دين الله وهو الإسلام ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ تقوم على: الإيمان المطلق بالغيب ﴿يؤمنون بالغيب﴾

‏والاتباع المطلق للوحي والنبي ﴿اتبع ما أوحي إليك من ربك﴾ ﴿يتبعون الرسول النبي الأمي﴾

ويأتي الفقه ﴿ليتفقهوا في الدين﴾؛ لفهم هدايات الوحي وغاياته وإقامة الدين وأحكامه؛ لا تعطيله!

فالأحكام كلها هدى وخير ومصلحة وفلاح، وأجمع الأصوليون على أنه لا تعارض النصوص وأحكامها بالمصالح؛ ولهذا أبطل الفقهاء في أصل المصلحة المرسلة المصالح التي تصادم النص وهي المصلحة التي جاء الشرع بإلغائها، كما قال الغزالي في المستصفى ١/ ١٧٤ : (القسم الثاني: ما شهد الشرع لبطلانها مثاله قول بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع في نهار رمضان: إن عليك صوم شهرين متتابعين، فلما أنكر عليه حيث لم يأمر بإعتاق رقبة مع اتساع ماله قال: لو أمرته بذلك لسهل عليه واستحقر إعتاق رقبة في جنب قضاء شهوته، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم لينزجر به، فهذا قول باطل ومخالف لنص الكتاب بالمصلحة وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصها بسبب تغير الأحوال)، -وهذا كلام نفيس للغزالي، لَمّا ذكر المصالح، وأنه لا اعتبار لمصلحة ألغاها الشارع. فلا تُمنع مثلا الشركة في منزل بدعوى خشية وقوع الحرام فيه؛ إذ الشركة جائزة بالإجماع، حتى وإن كان هذا قد يُفضي إلى وقوع حرام، لكن هذه مصلحة لم يأتِ بها الشارع!

ولا يُزاد في جلد شارب الخمر عن الحد المسموح به شرعا؛ بدعوى تأديبه؛ فهذه مصلحة لم يأتِ بها الشارع، وفيها مصادمة وتجاوز للنَّص.

فمهما ادعيت مصلحة، فلا قيمة لها؛ إن وجد فيها نصّ أو إجماع قطعي.

ومثله إذا قيل: لمَ يُسمح لأهل الكتاب ببناء كنائسهم وتأدية شعائرهم في معابدهم؟ بينما هم يضيّقون على المسلمين في بلدانهم ويمنعون الحجاب؛ لمَ لا يُعاملون بالمثل؟ لأن هناك نَصّا يحول بيننا وبين هذا الأمر، اقتحامه قد يؤدي إلى الردة والكفر! مهما تصورنا المصلحة فيه-

وقال في ١/ ١٧٩ : (فإن قيل: فقد ملتم في أكثر هذه المسائل إلى القول بالمصالح ثم أوردتم هذا الأصل في جملة الأصول الموهومة، فليلحق هذا بالأصول الصحيحة ليصير أصلا خامسا بعد الكتاب والسنة والإجماع والعقل؟ قلنا: هذا من الأصول الموهومة، إذ من ظن أنه أصل خامس فقد أخطأ؛ لأنا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع، ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع. فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسنة والإجماع وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع فهي باطلة مطرحة) واليوم هناك من يدعو إلى المساواة في الميراث، وفيما لم يجزه الشارع؛ تماهيا مع التطور وحقوق الإنسان على النمط الغربي، متفصيًا من أحكام الشرع القطعية!

ولو دعا إلى ذلك باسم العلمانية؛ لكان مفهوما؛ لكن أن يأتي مَنْ يتنصّل من أحكام الشرع القطعية باسم الإسلام وباسم المقاصد ويتجاهل الأحكام الشرعية التي جاءت المقاصد من أجل حِفْظها! فالغاية من عِلْم المقاصد: هو حِفْظ الشريعة، ومراعاة أحكامها، وليس نَقضها، فهذا يوصل إلى مذهب الباطنية التي تنتهي بالتأويل إلى التفصّي من الأحكام العقائدية والعبادية.

وقال الغزالي أيضا: (ومن صار إليها - يعني المصالح الغريبة والموهومة - فقد شرع وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودا بالكتاب والسنة والإجماع فليس خارجا من هذه الأصول، لكنه لا يسمى قياسا بل مصلحة مرسلة، إذ القياس أصل معين وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات تسمى لذلك مصلحة مرسلة، وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها بل يجب القطع بكونها حجة.

وحيث ذكرنا خلافا فذلك عند تعارض مصلحتين ومقصودين، وعند ذلك ترجيح الأقوى؛ ولذلك قطعنا بكون الإكراه مبيحا لكلمة الردة وشرب الخمر وأكل مال الغير وترك الصوم والصلاة؛ دلالات لم يبق معها شك في أن حفظ خطة الإسلام ورقاب المسلمين أهم في مقاصد الشرع من حفظ شخص معين في ساعة أو نهار وسيعود الكفار عليه بالقتل، فهذا مما لا يشك فيه، كما أبحنا أكل مال الغير بالإكراه لعلمنا بأن المال حقير في ميزان الشرع بالإضافة إلى الدم وعرف ذلك بأدلة كثيرة. فإن قيل: فهلا فهمتم أن حفظ الكثير أهم من حفظ القليل في مسألة السفينة وفي الإكراه وفي المخمصة قلنا: لم نفهم ذلك، إذ أجمعت الأمة على أنه لو أكره شخصان على قتل شخص لا يحل لهما قتله، وإنه لا يحل لمسلمين أكل مسلم في المخمصة، فمنع الإجماع من ترجيح الكثرة.

أما ترجيح الكلي فمعلوم إما على القطع وإما بظن قريب من القطع يجب اتباع مثله في الشرع ولم يرد نص على خلافه بخلاف الكثرة؛ إذ الإجماع في الإكراه وفي المخمصة منع منه. فبهذه الشروط التي ذكرناها يجوز اتباع المصالح، وتبين أن الاستصلاح ليس أصلا خامسا برأسه بل من استصلح فقد شرع كما أن من استحسن فقد شرع).

قال السبكي في الإبهاج ٣/ ١٨٥ حول مسألة التترس؛ إذا تترس العدو بمجموعة من المسلمين أُسارى -وهي مسألة خلافية بين الفقهاء- هل يُرمى العدو ويُقتل المسلم الأسير بأيديهم، وقتله مُحرّم بالنَّص، في حين أن تَرْك العدو حتى يدهم الأُمّة أشد؛ فقال: (قلت الذي لاح من كلام الغزالي أولا وآخرا أن الجواز إنما هو حالة العلم باستئصال الأسارى أيضا، ولكن كلام الأصحاب في حكاية الخلاف مطلق، والذي يظهر لي إطلاق الجواز، فإن حفظ الجمع العظيم الخارج عن حد الحصر مع خطة الدين وإعلاء كلمة الإسلام أهم في مقاصد الشرع من حفظ عشرة أنفس مثلا يصيرون مستأسرين تحت ذل الكفر). فقتل الأسارى -الذين تترس بهم العدو- أهون من أن يدهم العدو أرض الإسلام ويحتلها!

- لقد وصل الحال بدعاة فقه المقاصد اليوم أن هناك من يفتي منهم بأنه لا توجد دار إسلام، ودار كُفْر!

وإذا كل أحكام الدين المنوطة بدار الإسلام والخطاب الذي وُجّه إلى أهل الإسلام لكونهم من أهل دار الإسلام؛ كل هذه الأحكام تخرج عن دائرة الوجوب؛ لأن – بزعمهم- دار الإسلام ودار الكفر سواء!

بينما نجد أن الأحكام لم تجب إقامتها على النجاشي في الحبشة؛ كما وجبت إقامتها على النبي وأصحابه في المدينة؛ لأن المدينة كانت دار إسلام. فالدور تشكلت أصلًا قبل الأحكام؛ دار مكة كانت دار حرب وكُفر، والحبشة كانت دار سِلْم وأمان مع أنها دار كُفر، والمدينة كانت دار عَدْل وإسلام.

فكل أحكام الشرع التي أوجبها الله كان المكلف للقيام بها هم المؤمنون في دار الإسلام، ولم يخُاطب المسلم بأحكام الإمامة العامة، وما يترتب عليها، إذا كان في دار كُفْر.

فحين يتم إطلاق هذه الفتاوى في ظل حملة صليبية ترفض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي بدعوى أن أوربا نادٍ مسيحي لا يُسمح لتركيا الانضمام إليه!

يتّضح عمق الاختراق الفكري في الخطاب الإسلامي! فالصليبيون حددوا دُورهم، وهناك من المسلمين من يفتي بأنه لا يوجد دار إسلام، ولا كُفْر، لأن الدار كلها واحدة، والناس في هذه الدار سواء!-

وقال ابن قدامة في روضة الناظر: (فذهب مالك، وبعض الشافعية إلى أن هذه المصلحة حجة؛ لأنا قد علمنا أن ذلك من مقاصد الشرع.

وكون هذه المعاني مقصودة عرف بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال، وتفاريق الأمارات.

فيسمى ذلك مصلحة مرسلة، ولا نسميه قياسًا؛ لأن القياس يرجع إلى أصل معين.

والصحيح: أن ذلك ليس بحجة؛ لأنه ما عرف من الشارع المحافظة على الدماء بكل طريق ولذلك لم يشرع المثلة، وإن كانت أبلغ في الردع والزجر، ولم يشرع القتل في السرقة وشرب الخمر.

فإذا ثبت حكمًا لمصلحة من هذه المصالح لم يعلم أن الشرع حافظ على تلك المصلحة بإثبات ذلك الحكم، كان وضعًا للشرع بالرأي، وحكمًا بالعقل المجرد، كما حكي أن مالكا قال: "يجوز قتل الثلث من الخلق لاستصلاح الثلثين".

ولا نعلم أن الشرع حافظ على مصلحتهم بهذا الطريق، فلا يشرع مثله).

وقال الغزالي: (المصالح بالإضافة إلى شهادة الشرع لها بالاعتبار على ثلاثة أقسام: ما شهد الشرع باعتباره، وهو القياس، وما شهد الشرع بعدم اعتباره، نحو المنع من زراعة العنب لئلا يعصر الخمر، والشركة في سكنى الدور خشية الزنى.

وما لم يشهد باعتباره ولا إلغائه وهي المصلحة المرسلة، وهي عند مالك حجة.

وقال الغزالي: إن وقعت في موضع الحاجة أو التتمة، لم تعتبر، وإن وقعت في موضع الضرورة جاز أن يؤدي إليها اجتهاد مجتهد بشرط أن تكون قطعية كلية، وحكى مثال ذلك وتفصيله، ثم استدل على كونها حجة؛ بأن الله تعالى إنما بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام لتحصيل مصالح العباد، علمنا ذلك بالاستقراء، فمهما وجدنا مصلحة غلب على الظن أنها مطلوبة للشرع، فنعتبرها؛ لأن الظن مناط العمل.

قلت: هذا دليل قوي لا يتجه القدح فيه بوجه، ولا يرد عليه ما ذكر من المنع من زراعة العنب ونحوه، إذ هو مصلحة؛ لأنا نقول: هذه مصلحة نص الشرع على عدم اعتبارها، والعمل بالمصلحة المرسلة إنما هو اجتهادي، فلو اعتبرنا المصلحة المنصوص على عدم اعتبارها، لكان دفعا للنص بالاجتهاد، وهو فاسد الاعتبار).

وقال الجويني في البرهان ٢/ ١٦١ عن حجية الاستدلال فيما لا نص فيه ولا إجماع ولا قياس: (فالمذاهب إذا في الاستدلال ثلاثة:

أحدها: نفيه والاقتصار على اتباع كل معنى له أصل.

والثاني: جواز اتباع وجوه الاستصلاح والاستصواب قربت من موارد النص أو بعدت إذا لم يصد عنها أصل من الأصول الثلاثة الكتاب والسنة والإجماع. والمذهب الثالث: هو المعروف من مذهب الشافعي: التمسك بالمعنى وإن لم يستند إلى أصل على شرط قربه من معاني الأصول الثابتة.

أما القاضي - أبو بكر الباقلاني - فإنه احتج بأن قال: الكتاب والسنة متلقيان بالقبول، والإجماع ملتحق بهما، والقياس المستند إلى الإجماع هو الذي يعتمد حكما وأصله متفق عليه.

أما الاستدلال فقسم لا يشهد له أصل من الأصول الثلاثة وليس يدل لعينه دلالة أدلة العقول على مدلولاتها فانتفاء الدليل على العمل بالاستدلال دليل انتفاء العمل به.

وقال أيضا: المعاني إذا حصرتها الأصول وضبطتها المنصوصات كانت منحصرة في ضبط الشارع، وإذا لم يكن يشترط استنادها إلى الأصول لم تنضبط واتسع الأمر ورجع الشرع إلى اتباع وجوه الرأي واقتفاء حكمة الحكماء، فيصير ذوو الأحلام بمثابة الأنبياء، ولا ينسب ما يرونه إلى ربقة الشريعة، وهذا ذريعة في الحقيقة إلى إبطال أبهة الشريعة، ومصير إلى أن كلا يفعل ما يراه ثم يختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان وأصناف الخلق، وهو في الحقيقة خروج عما درج عليه الأولون.

وأما الشافعي فقال: إنا نعلم قطعا أنه لا تخلو واقعه عن حكم الله تعالى معزو إلى شريعة محمد على ما سنقرره في كتاب الفتوى).

ثم قال الجويني بعده: (فنقول لمالك رحمه الله: أتجوز التعلق بكل رأي فإن أبي لم نجد مرجعا نقر عنده إلا التقريب الذي ارتضاه الشافعي رضي الله عنه كما سنصفه، وإن لم يذكر ضبطا وصرح: بأن ما لا نص فيه ولا أصل له فهو مردود إلى الرأي المرسل واستصواب ذوي العقول فهذا الآن اقتحام عظيم وخروج عن الضبط ويلزم منه ما ذكره القاضي رحمه الله.

وما نزيده الآن قائلين: لو صح التمسك بكل رأي من غير قرب ومداناة لكان العاقل ذو الرأي العالم بوجوه الإيالات [يعني السياسات] إذا راجع المفتين في حادثة فأعلموه أنها ليست منصوصة في كتاب ولا سنة ولا أصل لها يضاهيها لساغ والحالة هذه أن يعمل العاقل بالأصوب عنده والأليق بطرق الاستصلاح.

- أي: إذا راجع السياسي المفتين في مسألة ولم يجد لها دليلا أو نَصّا من الكتاب والسُّنة والإجماع؛ لساغ له أن يحكم بالمصلحة التي يراها- وهذا مركب صعب لا يجترئ عليه متدين ومساقه رد الأمر إلى عقول العقلاء وإحكام الحكماء ونحن على قطع نعلم أن الأمر بخلاف ذلك. -لأنه حيثما غاب النّص والإجماع بحثنا عما له أصل من نَصٍّ، أو إجماع، أو قياس، أو مصلحة راعاها الشرع- ثم وجوه الرأي تختلف بالأصقاع والبقاع والأوقات ولو كان الحكم ما ترشد إليه العقول في طرق الاستصواب ومسالكه تختلف للزم أن تختلف الأحكام باختلاف الأسباب التي ذكرناها.

ثم عقول العقلاء قد تختلف وتتباين على النقائض والأضداد في المظنونات ولا يلزم مثل ذلك فيما له أصل أو تقريب فإن تشوف الناظرين إلى الأصول الموجودة فإذا رمقوها واتخذوها معتبرهم لم يتباعد أصلا اختلافهم.

ولو ساغ ما قاله مالك رضي الله عنه إن صح عنه لاتخذ العقلاء أيام كسرى أنو شروان في العدل والإيالة [السياسية] معتبرهم.

وهذا يجر خبالا لا استقلال به. -وهذا الذي أصبح يُنادى به باسم الحضارة الغربية وأنها تقدمت، وتطورت، وأنّا بحاجة، ليس إلى نظمها وحضارتها المادية، وإنما إلى أحكامها! وهذه الأحكام تقضي على أحكام الشرع-

وإن أخذ مالك رحمه الله وأتباعه يقربون وجه الرأي من القواعد الثابتة في الشريعة فالذي جاءوا به مذهب الشافعي رحمه الله على ما سنصف طريقة).

وكذا ذكر هذه المسألة أبو المظفر السمعاني وذكر كلام الباقلاني وتعقبه في قواطع الأدلة ٢/ ٢٥٩ فقال: (القول في الاستدلال:

قد ذكرنا أن الاستدلال طلب الحكم بالاستدلال بمعاني النصوص وقيل: أنه استخراج الحق وتمييزه من الباطل ذكرهما أبو الحسن الماوردي وقيل: إنه معنى مشعر بالحكم المطلوب مناسب له فيما يقتضيه الفكر العقلي من غير وجدان أصل متفق عليه.

واختلفوا في هذا فذهب جماعة إلى رد الاستدلال وقالوا: لا يجوز أن يكون المعنى دليلا حتى يستند إلى أصل، وذكره القاضي أبى بكر وجماعة من المتكلمين، وأما الذي يدل عليه مذهب الشافعي رحمة الله عليه هو كون الاستدلال حجة وإن لم يستند إلى أصل، ولكن من شرط قربه من معاني الأصول المعهودة المألوفة في الشرع.

وقد ذهب طائفة من أصحاب أبى حنيفة إلى جواز الاستدلال وإن لم يستند إلى حكم متفق عليه في أصل وشرح ذلك أن يكون الثابت مصالح شبيه بالمصالح الثابتة في أصول الشرع غير خارجة عنها وأفرط مالك في جواز القول بالاستدلال وجوز مصالح بعيدة عن المصالح المعهودة والأحكام المعروفة في الشرع وحكى عنه جواز القتل وأخذ المال بمصالح يقتضيها غالب الظن، وإن لم يوجد لتلك المصالح مستندا إلى أصول، وربما يقول أصحاب مالك يجوز اتباع وجوه المصالح والاستصواب قربت عن موارد النصوص أو بعدت إذا لم يصدمها أصل من الأصول الثلاثة الكتاب والسنة والإجماع، واحتج من نفى الاستدلال على وجه القياس بأن الدلائل محصورة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة والقياس على أحدها، والاستدلال الذى يذكرونه خارج عن هذه الأقسام ومن هذه الدلائل أجمع قد يصح أن يكون دليلا قال القاضي أبو بكر: إن المعاني إذا حصرتها الأصول وضبطتها المنصوصات كانت منحصرة في ضبط الشرع، وإذا لم يشترط استنادها إلى الأصول لم تنضبط واتسع الأمر وصار الشرع مرجوعه إلى وجود الرأي من الناس من غير اعتماد واستناد إلى أصل شرعي فيرى كل إنسان وجها ويعتمد شيئا سوى ما يراه ويعتمد صاحبه ويصير إذا أهل الرأي في هذا بمنزلة الأنبياء، فيفعل كل إنسان ما يراه ويعتقده صلاحا في المعنى الذى سنح له، فيصير ذلك ذريعة إلى أبطال أبهة الشريعة ورونقها، ويذهب طراوتها وبهاؤها وينسكب ماؤها، ثم مع ذلك يختلف ما يرونه من الاستصلاح والاستصوابات بالمكان والزمان وأصناف الخلق فتختلف أحكام الله تعالى نهاية الاختلاف، ويكون حكم الله تعالى اليوم خلاف ما كان عليه أمس، وحكم الإنسان خلاف حكم جاره وشريكه، وهذا أمر يخالف ما عهد عليه قوانين الشرع وما درج عليه الأولون من هذه الأمة، وما أدى القول به إلى مثل هذا فهو باطل، وهذا لأن ما لا أصل في الشرع فهو في نفسه ما لا أصل له، وأيضا يقولون إن معاذا رضى الله عنه لم يذكر إلا الكتاب والسنة والقياس فدل أن ما سوى ذلك باطل.

وأما دليل مثبتي الاستدلال هو أنا نعلم قطعا أنه لا يجوز أن يخلو حادث عن حكم الله تعالى منسوب إلى شريعة نبينا محمد .

ببينة: أنه لم يرو عن السلف الماضين أنهم أغروا وأخلوا واقعة عن بيان حكم فيها لله تعالى وتقدس ونحن نعلم كثرة الفتاوى وازدحام الأحكام، وقد استرسلوا في بث الأحكام استرسال واثق بانبساطها على جميع الوقائع، وقد قصدوا لإثباتها فيما وقع وتشوفوا في إثباتها فيما سيقع ولا يخفى على منصف أنهم ما كانوا يفتون فتوى من تقسيم الوقائع عنده إلى ما يغري عن حكم وإلى ما لا يغرى عنه وإذا عرفنا هذا فنقول لو انحصرت مآخذ الأحكام في المنصوصات والمعاني المستشارة منها لما وسع القياس لكل ذلك فإنا نعلم أن المنصوصات معانيها لا تنسحب على كل المعاني، ولو لم يتمسك الماضون بمعاني وقائع لم تعهد وأمثالها لكان يزيد وقوفهم في الأحكام على فتاويهم وجريانهم. فيها قال الشافعي رحمه الله: من سير أحوال الصحابة - رضي الله عنهم - وهم الأسوة والقدوة لم ير لواحد منهم تمهيد قياس على ما يفعله القياسيون بل كانوا يخوضون في وجوه الرأى من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن، فثبت بمجمع ما ذكرناه صحة القول بالاستدلال.

ومما يدل على صحة ما ذكره الشافعي رحمة الله عليه وتمسك به أنه إذا استندت المعاني إلى الأصول فالتمسك بها جائز وليست النصوص وأحكامها حججا وإنما الحجة في المعنى، وأعيان المعنى ليست منصوصة وهى المتعلق بها بل نقطع بمحض خروج المعاني عن ضبط النصوص فدل أن المعاني حجة كافية، ولو راعينا ردها إلى الأصول تنصرف الأصول عن كثير من المعاني ومن يتتبع كلام الشافعي لم يره متعلقا بأصل ولكنه يبنى الكلام في الأحكام على المعاني المرسلة فإن عدمها حينئذ شبه بالأصول عليه فيما قلناه ولو قال قائل: لم يصح عن أحد من السلف استعمال القياس على ما يعتاده أبناء الزمان من تمثل أصل واستثاره معنى فيه وربط فرع به كان ذلك حقا وصوابا.

فأما الكلام الثاني الذى قاله وزعمه أن القول بهذا يؤدى إلى خروج الأمر عن الضبط وانحلال أمر الشرع ورد الأحكام إلى آراء الرجال فهذا لا يلزمنا لأنا نعتبر وجود معنى لا يدفعه أصل من أصول الشرع من كتاب أو سنة أو إجماع، والجملة أنه يعتبر وجود معنى يناسب الحكم الذى يبنيه عليه من غير أن يدفعه أصل من كتاب أو سنة أو إجماع، وقد قال بعض أصحابنا في العبارة: عن هذا إنه قد ثبتت أصول معللة اتفق القائسون على عللها فقال الشافعي رحمه الله: نتخذ تلك العلل معتصما ويجعل الاستدلال قريبا منها، وإن لم تكن أعيانها حتى كأنها مثلا أصول. والاستدلالات معتبرة بها واعتبار المعنى بالمعنى تقريبا أولى من اعتبار صورة بصورة لمعنى جامع فإذا قرب معنى المجتهد والمستدل فيما يجتهد إلى الشرع ولم يرده إلى أصل كان استدلالا مقبولا).

فهم مجمعون -هؤلاء الأئمة الأصوليون المقاصديون: الباقلاني والسمعاني والجويني والغزالي وابن قدامة والسبكي والقرافي- على أنه لا احتجاج بالاستدلال والمصالح مع وجود النص أو الإجماع؛ فضلا عن معارضة النص، وإنما البحث كله حيث لا نص ولا إجماع.

وهذه أهم مقاصد الأحكام السياسية كما نص عليها الشارع واستظهرها الفقهاء:

١- المقصد الأول: تحقيق توحيد الله في الطاعة والعبودية؛ فالغاية التي قامت الدولة في الإسلام من أجلها تحقيق العبودية والطاعة لله وحده؛ كما قال تعالى: ‏﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم﴾، وقال عن الغاية من إرسال الرسل: ‏﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾، ‏وقال عن المؤمنين حال استخلافهم في الأرض: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾.

كما حذر من مفارقة دينه وشرعه؛ فقال سبحانه‏: ‏﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه﴾

وأوجب القتال لغاية ظهور الأحكام؛ فقال: ‏﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ والدين هنا هو الطاعة والعبادة؛ كما قال الطبري: (حتى تكون الطاعة والعبادة كلها لله خالصة دون غيره).

وقال ابن تيمية في الصفدية ٢/ ٢٣٢: (ولا ريب أن فيما جاءت به الرسل إصلاح أخلاق الناس وإصلاح منازلهم في عشرة الأهل والأزواج وغير ذلك وإصلاح المدائن بالسياسة العادلة الشرعية لكن هذا كله جزء من مقاصد الرسل).

فالمقصد الأسمى توحيد الله وإفراده وحده لا شريك له بالطاعة والحكم والأمر والنهي والعبادة.

وللمحافظة على هذا الأصل العظيم والغاية الكلية؛ شرعت أحكام الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقتال أهل الردة والكفار.

وأجمع فقهاء المقاصد على أن من الضروريات الخمس أو الست حفظ الدين؛ كما الزركشي في البحر المحيط ٧/ ٢٢٦: (رابعها: حفظ الدين: بشرعية القتل والقتال، فالقتل للردة وغيرها من موجبات القتل، لأجل مصلحة الدين، والقتال في جهاد أهل الحرب).

ومن ذلك أيضا أوجب الشارع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتحقيق هذا المقصد؛ كما قال القرافي في الفروق ٤/ ٢٥٧: (قولنا في شرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لم يؤد إلى مفسدة هي أعظم، هذه المفسدة قسمان تارة تكون إذا نهاه عن منكر فعل ما هو أعظم منه في غير الناهي، وتارة يفعله في الناهي بأن ينهاه عن الزنا فيقتله أعني الناهي يقتله الملابس للمنكر، والقسم الأول اتفق الناس عليه أنه يحرم النهي عن المنكر، والقسم الثاني اختلف الناس فيه فمنهم من سواه بالأول نظر لعظم المفسدة، ومنهم من فرق، وقال: هذا لا يمنع، والتغرير بالنفوس مشروع في طاعة الله - تعالى - لقوله تعالى: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير}، مدحهم بأنهم قتلوا بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنهم ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا وهذا يدل على أن بذل النفوس في طاعة الله تعالى مأمور به وقتل يحيى بن زكريا صلوات الله عليهما بسبب أنه نهى عن تزويج الربيبة وقال : "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" ومعلوم أنه عرض نفسه للقتل بمجرد هذه الكلمة فجعله رسول الله أفضل الجهاد ولم يفرق بين كلمة وكلمة كانت في الأصول أو الفروع من الكبائر أو الصغائر، وقد خرج ابن الأشعث مع جمع كبير من التابعين في قتال الحجاج وعرضوا أنفسهم للقتل وقتل منهم خلائق كثيرة بسبب إزالة ظلم الحجاج وعبد الملك بن مروان وكان ذلك في الفروع لا في الأصول، ولم ينكر أحد من العلماء عليهم ذلك، ولم يزل أهل الجد والعزائم على ذلك من السلف الصالحين فيظهر من هذه النصوص أن المفسدة العظمى إنما تمنع إذا كانت من غير هذا القبيل أما هذا فلا؛ فتلخص أن النهي عن المنكر والأمر بالمعروف واجب إذا اجتمعت فيه تلك الشروط المتقدمة، ومحرم إذا كان يعتقد الملابس تحريمه، وإذا فقد أحد الشرطين الأولين، ومندوب إذا كان لا يعتقد حله، ولا حرمته، وهو متقارب المدارك، وإذا كان الفعل مكروها لا حراما أو المتروك مندوبا لا واجبا فقد حصل المطلوب من الفرق).

2- المقصد الثاني: تحقيق الهداية للخلق، والاستقامة، وحفظ كرامة الإنسان، ومنع الظلم والطغيان، وهو كل خروج عن العدل والقسط والاستقامة ‏﴿قل أمر ربي بالقسط﴾، ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾، ‏﴿فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم﴾، ‏﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ ‏﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه﴾ ‏﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير . ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾.

ومن الخروج عن حد الاستقامة اتباع الأهواء ‏﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون﴾ وقال: ‏﴿ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير﴾، وقال: ‏﴿ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين﴾، وقال: ‏﴿وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق﴾.

3- المقصد الثالث: حفظ الجماعة ووحدة الأمة ‏﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ قال الطبري: (وتمسَّكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عَهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله)

وفي الصحيح: (إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم).

وقال : (ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل لله، ولزوم الجماعة، ومناصحة ولاة الأمر، فإن دعوة المسلمين من ورائهم محيطة).

وفي صحيح مسلم مرفوعا: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، فأراد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه)، وفي رواية: (فاضربوا رأسه بالسيف كائنا من كان).

وأخرج مسلم أيضا حديث: (ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان).

وعن عبد الله بن عمرو مرفوعا؛ كما في الصحيح: (ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه؛ فاضربوا عنق الآخر).

قال ابن القيم في إعلام الموقعين ٣/ ١١٦: (أن الشارع أمر بالاجتماع على إمام واحد في الإمامة الكبرى، وفي الجمعة والعيدين والاستسقاء وصلاة الخوف، مع كون صلاة الخوف بإمامين أقرب إلى حصول صلاة الأمن، وذلك سدا لذريعة التفريق والاختلاف والتنازع، وطلبا لاجتماع القلوب وتألف الكلمة، وهذا من أعظم مقاصد الشرع، وقد سد الذريعة إلى ما يناقضه بكل طريق، حتى في تسوية الصف في الصلاة؛ لئلا تختلف القلوب، وشواهد ذلك أكثر من أن تذكر). -واليوم هناك من يشرّع استقلال الأقطار والبلدان الإسلامية ويشرّع لها إقامة علاقات مع أمريكا، ومع روسيا بدعوى المصالح؛ وإذا بها تقاتل مع العدو وتغزو الشعوب المسلمة كما في سوريا والعراق وأفغانستان؛ وإذا نحن في فتنة ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾-

كما نصّ الإمام الشافعي على إجماع الأمة على بطلان تعدد الأئمة –وهو أقدم من نصّ على ذلك-وأنه لا يكون للمسلمين إلا خليفة واحد وهو المتواتر بالنص القطعي!

قال الشافعي في الرسالة ص ٤١٨: (وهكذا كانت كتب خلفائه بعده وعمالُهم، وما أجمع المسلمون عليه: من أن يكون الخليفة واحدًا والقاضي واحدٌ، والأمير واحدٌ، والإمامُ.

فاستخلفوا أبا بكر، ثم استخلف أبو بكر عمرَ، ثم عمرُ أهلَ الشورى ليختاروا واحدًا، فاختار عبدُ الرحمن عثمانَ بن عفان).

‏فمن جوز دويلات سايكس بيكو الصليبية وأنظمتها الوظيفية التي مزقت الأمة؛ فقد عارض النص والإجماع!

‏وأحكام الضرورة لا تجعل مقاصد للشارع؛ وإلا جاز تقسيم المقسم!

أحكام سياسية قطعية شرعت لمقصد حفظ الجماعة ووحدة الأمة:

وللمحافظة على هذا الأصل الكلي وهذا المقصد شرعت الأحكام السياسية التالية؛ وهي:

١- جعل المؤمنين أمة واحدة، ولهم ذمة واحدة، وأوجب عليهم حقوق الموالاة والنصرة ‏﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، وفي الصحيحين‏‏: ﴿ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم﴾ وفيهما: (مثل المؤمنين كمثل الجسد الواحد). وفي الحديث الصحيح: (المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم). -كيف تكون ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، وهم خمسون دويلة، كل دولة تقاتل الأخرى؟! لا يُتَصَوّر ذلك لِمَنْ عرف مقاصد الشرع!-

٢- وجعل الخلافة والإمارة العامة واحدة، وتواتر ذلك بالنصوص القطعية، وعليه الإجماع القطعي، قال النووي في شرحه لمسلم ١٢/ ٢٣٢: (واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد سواء اتسعت دار الإسلام أم لا، وقال إمام الحرمين في كتابه الإرشاد: قال أصحابنا لا يجوز عقدها شخصين. قال وعندي أنه لا يجوز عقدها لاثنين في صقع واحد وهذا مجمع عليه، قال فإن بعد ما بين الإمامين وتخللت بينهما شسوع فللاحتمال فيه مجال، قال وهو خارج من القواطع، وحكى المازري هذا القول عن بعض المتأخرين من أهل العصر وأراد به إمام الحرمين وهو قول فاسد مخالف لما عليه السلف والخلف ولظواهر إطلاق الأحاديث).

١٢/ ٢٢٩ وقال: (قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها، قال: وكذلك عند جمهورهم البدعة. قال: وقال بعض البصريين تنعقد له وتستدام له لأنه متأول، قال القاضي: فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة؛ خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل، إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة؛ وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه، فإن تحققوا العجز لم يجب القيام، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه، قال: ولا تنعقد لفاسق ابتداء؛ فلو طرأ على الخليفة فسق؛ قال بعضهم يجب خلعه إلا أن تترتب عليه فتنة وحرب). -اليوم يروّج لجواز أن يتولى كافر على المسلمين! كيف وقد قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ وهذا أعظم سبيل للكفار على المسلمين أن يتولى كافر الإمامة العامة التي تترتب عليها كل الولايات الشرعية، ويجُوّز ذلك بدعوى الفقه والمصلحة والمقاصد الشرعية؛ وذلك ليس من النظام السياسي الإسلامي!.

وليس من شرع الله في شيء بل هو من تحريف لدين الله وتبديله، وليس تأويله، بل هو التبديل الكامل للإسلام!

أما أحكام الضرورات: فلا تساوي بين المقاصد، وأحكام الضرورات.

فالله عز وجل أباح عند الضرورة وعند العجز الْمُحرّم كأكل الميتة، ولم يصبح بذلك مقصد الشارع وغايته أكل الميتة وشرب الخمر! لكن هذا من رحمة الشارع بالْمُكَلَّف أنه راعى حال العجز: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا».

ولهذا أثنى النبي على النجاشي، وهو لم يفعل شيئًا إلا أنه آمن وعدَل، وقد كان عادلا قبل أن يسلم عندما كان من أهل الكتاب، وآوى المؤمنين.

فالنبي لم يُصلِّ على أحد غائب إلا النجاشي، وزكّاه؛ وقال عنه: «أخ صالح»؛ لأن هذا الذي يستطيعه، وهذا الذي خوطب به أصلًا بإقامة العدل في ولايته بدار الكفر.

ولا يكون بذلك نموذج دولة النجاشي هو نموذج تتحقق فيه الدولة الإسلامية!

بل الدولة الإسلامية هي التي قامت في المدينة، ثم امتدت إلى أن سقطت في الخلافة-

فلا إسلام بلا جماعة وأمة واحدة، ولا جماعة إلا بالإمامة الواحدة، والغاية من إقامتها إقامة الكتاب والفقه فيه؛ كما روى الدارمي عن عمر: (إنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة، فمن سوده قومه على الفقه، كان حياة له ولهم، ومن سوده قومه على غير فقه، كان هلاكا له ولهم).

وقد شرعت الإمامة نفسها لتحقيق غايات الشرع الكلية وهي حفظ دار الإسلام من العدو الخارجي، وحفظ وحدة الأمة من الخلل الداخلي، وإقامة الأحكام والشرائع؛ كما في الصحيح: (الإمام جنة يقاتل من ورائه) -لا أن تكون دولة لا تستطيع حتى أن تدافع عن شعبها ولا عن المسلمين بجوارها، ولا تستطيع أن تتصرف إلا بتدخل السفير الأمريكي، ويقال هذه الدول الوظيفية تحت النظام الدولي هي البديل عن دولة الإسلام! وأنه يجب احترام قرارات الشرعية الدولية؛ بينما الشرعية الدولية هي التي أخذت القدس وفلسطين، وهي التي أقامت هذه المنظومة الوظيفية!

هذا واقع يجب الكفر به ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أما كيف نتعامل مع الواقع هذا أمر آخر، فالكفر بالطاغوت لا يمنع من محاورته ومناقشته ومعاهدته ومقاتلته؛ لكن بالنهاية يجب الكفر به؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم عاهد يهود وصالحهم وقاتلهم وعاهد مشركي مكة!

لا أن يتحاكم المسلمون إلى الطاغوت ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ من أجل العيش!

فنحن أُمة ذات رسالة، يجب أن تحملها إلى العالمين، والنبي بَشّر بهذا، وقال: «ثم تكون خلافة على منهج النبوة» وسيحدث هذا أيضًا.

فالادعاء بأن الخطاب النبوي الراشدي وإقامة الخلافة أفكار مثالية لا حقيقة لها ادعاء باطل، ورد صريح للنصوص القطعية في الكتاب والسنة، واتهام للشارع بالتكليف بما لا يستطاع وبالمستحيل! مع قوله تعالى على لسان نبيه ‏﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فاتباعه مقدور وممكن في كل ما شرعه وسنه لأمته من بعده، وقوله : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)، وقوله : (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)، فإذا كان الخطاب السياسي النبوي والراشدي مثاليا خياليا كما يزعم المقاصديون الجدد كان التكليف به عبثا! وحاشا للشارع الحكيم أن يأمر به! بل هذا واقع، كانت فيه الأمة قبل تسعين سنة، كان العالم الإسلامي دولة ذات سيادة تسود الأرض، مع ما حدث فيها من تأويل.

ويراد أن تكون هذه الدول الوظيفية التي فرضها المحتل هي البديل عن الخلافة الإسلامية!

بل حتى الخلافة العثمانية عرفت المبعوثان والمشروطية وهو الدستور، وكانت أفضل من أوربا، لكن استطاع العدو أن يشكل وعيا مسخا من خلال الثقافة الاستشراقية فأصبحنا - كمسلمين - ننظر إلى تاريخنا على أنه ظلمات بعضها فوق بعض، ونرى هذا الطغيان الغربي الروسي الأمريكي الذي نشاهده اليوم في سوريا وهو أبشع صور الطغيان لا مشكلة فيه! فهم دول ذات حضارة وتقدم وهم أصحاب الشرعية الدولية!

ولهذا اشترط للإمام شروط لا تصح إمامته إلا بها؛ ومنها:

كما قال القرطبي في تفسيره ١/ ٢٧٠: (الحادية عشرة: في شرائط الإمام، وهي أحد عشر: الأول: أن يكون من صميم قريش، لقوله : (الأئمة من قريش). وقد اختلف في هذا.

الثاني: أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين مجتهدا لا يحتاج إلى غيره في الاستفتاء في الحوادث، وهذا متفق عليه.

الثالث: أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور وحماية البيضة وردع الأمة والانتقام من الظالم والأخذ للمظلوم.

الرابع: أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود ولا فزع من ضرب الرقاب ولا قطع الأبشار. والدليل على هذا كله إجماع الصحابة رضي الله عنهم، لأنه لا خلاف بينهم أنه لا بد من أن يكون ذلك كله مجتمعا فيه، ولأنه هو الذي يولي القضاة والحكام، وله أن يباشر الفصل والحكم، ويتفحص أمور خلفائه وقضاته، ولن يصلح لذلك كله إلا من كان عالما بذلك كله قيما به. والله أعلم.

الخامس: أن يكون حرا، ولا خفاء باشتراط حرية الإمام.

وإسلامه وهو السادس.

السابع: أن يكون ذكرا.

سليم الأعضاء وهو الثامن. وأجمعوا على أن المرأة لا يجوز أن تكون إماما وإن اختلفوا في جواز كونها قاضية فيما تجوز شهادتها فيه.

التاسع والعاشر: أن يكون بالغا عاقلا، ولا خلاف في ذلك.

الحادي عشر: أن يكون عدلا، لأنه لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق..

الثانية عشرة: يجوز نصب المفضول مع وجود الفاضل خوف الفتنة وألا يستقيم أمر الأمة، وذلك أن الإمام إنما نصب لدفع العدو، وحماية البيضة، وسد الخلل، واستخراج الحقوق، وإقامة الحدود، وجباية الأموال لبيت المال، وقسمتها على أهلها. فإذا خيف بإقامة الأفضل الهرج والفساد وتعطيل الأمور التي لأجلها ينصب الإمام كان ذلك عذرا ظاهرا في العدول عن الفاضل إلى المفضول، ويدل على ذلك أيضا علم عمر وسائر الأمة وقت الشورى بأن الستة فيهم فاضل ومفضول، وقد أجاز العقد لكل واحد منهم إذا أدى المصلحة إلى ذلك واجتمعت كلمتهم عليه من غير إنكار أحد عليهم، والله أعلم. الثالثة عشر: الإمام إذا نصب ثم فسق بعد انبرام العقد فقال الجمهور: إنه تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم، لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في أمورهم إلى غير ذلك مما تقدم ذكره، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها. فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إلى إبطال ما أقيم لأجله، ألا ترى في الابتداء إنما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى إبطال ما أقيم له، وكذلك هذا مثله. وقال آخرون: لا ينخلع إلا بالكفر أو بترك إقامة الصلاة أو الترك إلى دعائها أو شيء من الشريعة، لقوله عليه السلام في حديث عبادة: "وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان" .

الرابعة عشرة: ويجب عليه أن يخلع نفسه إذا وجد في نفسه نقصا يؤثر في الإمامة. فأما إذا لم يجد نقصا فهل له أن يعزل نفسه ويعقد لغيره؟ اختلف الناس فيه، فمنهم من قال: ليس له أن يفعل ذلك وإن فعل لم تنخلع إمامته. ومنهم من قال: له أن يفعل ذلك. والدليل على أن الإمام إذا عزل نفسه انعزل قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أقيلوني أقيلوني. وقول الصحابة: لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله لديننا فمن ذا يؤخرك! رضيك رسول الله لديننا فلا نرضاك! فلو لم يكن له أن يفعل ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه ولقالت له: ليس لك أن تقول هذا، وليس لك أن تفعله. فلما أقرته الصحابة على ذلك علم أن للإمام أن يفعل ذلك، ولأن الإمام ناظر للغيب فيجب أن يكون حكمه حكم الحاكم، والوكيل إذا عزل نفسه. فإن الإمام هو وكيل الأمة ونائب عنها، ولما اتفق على أن الوكيل والحاكم وجميع من ناب عن غيره في شيء له أن يعزل نفسه، وكذلك الإمام يجب أن يكون مثله. والله أعلم.

الخامسة عشرة: إذا انعقدت الإمامة باتفاق أهل الحل والعقد أو بواحد على ما تقدم وجب على الناس كافة مبايعته على السمع والطاعة، وإقامة كتاب الله وسنة رسوله . ومن تأبى عن البيعة لعذر عذر، ومن تأبى لغير عذر جبر وقهر، لئلا تفترق كلمة المسلمين. وإذا بويع لخليفتين فالخليفة الأول وقتل الآخر، واختلف في قتله هل هو محسوس أو معنى فيكون عزله قتله وموته. والأول أظهر، قال رسول الله : (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما). رواه أبو سعيد الخدري أخرجه مسلم.

وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي أنه سمعه يقول: (ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوه عنق الآخر). رواه مسلم أيضا، ومن حديث عرفجة: (فاضربوه بالسيف كائنا من كان). وهذا أدل دليل على منع إقامة إمامين، ولأن ذلك يؤدي إلى النفاق والمخالفة والشقاق وحدوث الفتن وزوال النعم، لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان جاز ذلك، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. السادسة عشرة: لو خرج خارجي على إمام معروف العدالة وجب على الناس جهاده، فإن كان الإمام فاسقا والخارجي مظهر للعدل لم ينبغ للناس أن يسرعوا إلى نصرة الخارجي حتى يتبين أمره فيما يظهر من العدل، أو تتفق كلمة الجماعة على خلع الأول، وذلك أن كل من طلب مثل هذا الأمر أظهر من نفسه الصلاح حتى إذا تمكن رجع إلى عادته من خلاف ما أظهر. السابعة عشرة: فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد وبلد واحد فلا يجوز إجماعا لما ذكرنا. قال الإمام أبو المعالي: ذهب أصحابنا إلى منع عقد الإمامة لشخصين في طرفي العالم، ثم قالوا: لو اتفق عقد الإمامة لشخصين نزل ذلك منزلة تزويج وليين امرأة واحدة من زوجين من غير أن يشعر أحدهما بعقد الآخر. قال: والذي عندي فيه أن عقد الإمامة لشخصين في صقع واحد متضايق الخطط والمخاليف غير جائز وقد حصل الإجماع عليه. فأما إذا بعد المدى وتخلل بين الإمامين شسوع النوى فللاحتمال في ذلك مجال وهو خارج عن القواطع. وكان الأستاذ أبو إسحاق يجوز ذلك في إقليمين متباعدين غاية التباعد لئلا تتعطل حقوق الناس وأحكامهم. وذهبت الكرامية إلى جواز نصب إمامين من غير تفصيل، ويلزمهم إجازة ذلك في بلد واحد، وصاروا إلى أن عليا ومعاوية كانا إمامين. قالوا: وإذا كانا اثنين في بلدين أو ناحيتين كان كل واحد منهما أقوم بما في يديه وأضبط لما يليه، ولأنه لما جاز بعثة نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة كانت الامامة أولى، ولا تؤدي ذلك إلى إبطال الإمامة. والجواب أن ذلك جائز لولا منع الشرع منه، لقوله: (فاقتلوا الآخر منهما) ولأن الأمة عليه. وأما معاوية فلم يدع الإمامة لنفسه وإنما ادعى ولاية الشام بتولية من قبله من الأئمة. ومما يدل على هذا إجماع الأمة في عصرهما على أن الإمام أحدهما، ولا قال أحدهما إني إمام ومخالفي إمام. فإن قالوا: العقل لا يحيل ذلك وليس في السمع ما يمنع منه. وقلنا: أقوى السمع الإجماع، وقد وجد على المنع).

٣- وشرع الجهاد:

كما شرع الجهاد لحفظ دار الإسلام وجماعة المسلمين وحرماتهم تارة فرض كفاية وتارة فرض عين ‏﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾

قال الطبري في تفسير قوله تعالى: ‏﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ فذكر الخلاف في هل هو على كل أحد أم على البعض: (وقال آخرون: هو على كل واحد حتى يقوم به من في قيامه الكفاية، فيسقط فرض ذلك حينئذ عن باقي المسلمين، كالصلاة على الجنائز وغسلهم الموتى ودفنهم، وعلى هذا عامة علماء المسلمين.

قال أبو جعفر: وذلك هو الصواب عندنا لإجماع الحجة على ذلك).

قال ابن عطية: (والذي استمر عليه الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمد فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام فهو حينئذ فرض عين).

وقال ابن تيمية كما في المستدرك على مجموع الفتاوى ٣/ ٢١٥ - ٢١٨: (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعا.

فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده...

وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم، ونصوص أحمد صريحة).

وقال الشربيني في مغني المحتاج ٦/ ٩ : (ووجوب الجهاد وجوب الوسائل لا المقاصد، إذا المقصود بالقتال إنما هو الهداية وما سواها من الشهادة، وأما قتل الكفار فليس بمقصود حتى لو أمكن الهداية بإقامة الدليل بغير جهاد كان أولى من الجهاد، وما ذكره المصنف محله في الغزو).

٤- أمر بالمواساة بين المسلمين ومنع كل صور الضرر بهم خاصة وعامة؛ لتحقيق مقصد اجتماعهم وعدم افتراقهم:

قال الشاطبي في الموافقات ٣/ ٦٣: (وأما المحتكر؛ فإنه خاطئ باحتكاره، مرتكب للنهي، مضر بالناس؛ فعلى الإمام أن يدفع إضراره بالناس على وجه لا يستضر هو به.

وأيضا؛ فهو من القسم الثالث الذي يحكم فيه على الخاصة لأجل العامة، هذا كله مع اعتبار الحظوظ.

وإن لم نعتبرها؛ فيتصور هنا وجهان:

أحدهما:

إسقاط الاستبداد والدخول في المواساة على سواء، وهو محمود جدا، قد فعل ذلك في زمان رسول الله ، وقال عليه الصلاة والسلام: "إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة؛ جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد؛ فهم مني وأنا منهم، وذلك أن مسقط الحظ هنا قد رأى غيره مثل نفسه، وكأنه هو أخوه أو ابنه أو قريبه أو يتيمه، أو غير ذلك ممن طلب بالقيام عليه ندبا أو وجوبا. وأنه قائم في خلق الله بالإصلاح والنظر والتسديد؛ فهو على ذلك واحد منهم، فإذا صار كذلك؛ لم يقدر على الاحتجان لنفسه دون غيره ممن هو مثله، بل ممن أمر بالقيام عليه، كما أن الأب الشفيق لا يقدر على الانفراد بالقوت دون أولاده؛ فعلى هذا الترتيب كان الأشعريون رضي الله عنهم؛ فقال عليه الصلاة والسلام: "فهم مني وأنا منهم"؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان في هذا المعنى الإمام الأعظم، وفي الشفقة الأب الأكبر؛ إذ كان لا يستبد بشيء دون أمته.

وفي مسلم عن أبي سعيد، [قال]: بينما نحن في سفر مع رسول الله ؛ إذ جاء رجل على راحلة له -قال- فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا. فقال رسول الله : "من كان معه فضل ظهر؛ فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل من زاد؛ فليعد به على من لا زاد له". قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر؛ حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل، وفي الحديث أيضا: "إن في المال حقا سوى الزكاة ومشروعية الزكاة والإقراض والعرية والمنحة وغير ذلك مؤكد لهذا المعنى، وجمعيه جار على أصل مكارم الأخلاق، وهو لا يقتضي استبدادا، وعلى هذه الطريقة لا يلحق العامل ضرر إلا بمقدار ما يلحق الجميع أو أقل، ولا يكون موقعا على نفسه ضررا ناجزا. وإنما هو متوقع أو قليل يحتمله في دفع بعض الضرر عن غيره، وهو نظر من يعد المسلمين كلهم شيئا واحدا على مقتضى قوله عليه الصلاة والسلام: "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا".

وقوله: "المؤمنون كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

وقوله: "المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه" وسائر ما في المعنى من الأحاديث، إذ لا يكون شد المؤمن للمؤمن على التمام إلا بهذا المعنى وأسبابه، وكذلك لا يكونون كالجسد الواحد إلا إذا كان النفع واردا عليهم على السواء، كل واحد بما يليق به؛ كما أن كل عضو من الجسد يأخذ من الغذاء بمقداره قسمة عدل لا يزيد ولا ينقص، فلو أخد بعض الأعضاء أكثر مما يحتاج إليه أو أقل؛ لخرج عن اعتداله، وأصل هذا من الكتاب ما وصف الله به المؤمنين من أن بعضهم أولياء بعض، وما أمروا به من اجتماع الكلمة، والأخوة وترك الفرقة، وهو كثير؛ إذ لا يستقيم ذلك إلا بهذه الأشياء وأشباهها مما يرجع إليها.

والوجه الثاني:

الإيثار على النفس، وهو أعرق في إسقاط الحظوظ، وذلك أن يترك حظه لحظ غيره، اعتمادا على صحة اليقين، وإصابة لعين التوكل، وتحملا للمشقة في عون الأخ في الله على المحبة من أجله، وهو من محامد الأخلاق، وزكيات الأعمال، وهو ثابت من فعل رسول الله ، ومن خلقه المرضي، وقد كان عليه الصلاة والسلام "أجود الناس بالخير، وأجود ما كان في شهر رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة".

وقالت له خديجة: "إنك تحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق"... وهكذا كان الصحابة، وقد علمت ما جاء في تفسير قوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا}، وما جاء في الصحيح في قوله: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}، وما روي عن عائشة، وهو مذكور في باب الأسباب من كتاب الأحكام، عند الكلام على مسألة العمل على إسقاط الحظوظ.

وهو ضربان:

"إيثار بالملك" من المال، وبالزوجة بفراقها لتحل للمؤثر، كما في حديث المؤاخاة المذكور في الصحيح.

وإيثار بالنفس؛ كما في الصحيح أن أبا طلحة ترس على النبي يوم أحد، وكان النبي يتطلع ليرى القوم؛ فيقول له أبو طلحة: لا تشرف يا رسول الله يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، ووقى بيده رسول الله فشلت.

وهو معلوم من فعله عليه الصلاة والسلام؛ إذ كان في غزوه أقرب الناس إلى العدو، ولقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول [الله راجعا، قد سبقهم إلى الصوت، وقد] استبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عري والسيف في عنقه وهو يقول: "لن تراعوا" ، وهذا فعل من آثر بنفسه، وحديث علي بن أبي طالب في مبيته على فراش رسول الله إذ عزم الكفار على قتله مشهور).

وكل ما سبق بيانه دخل في إحدى الضرورات التي أجمع الأصوليون والمقاصديون على المحافظة عليها:

قال الرازي في المحصول ٥/ ١٥٩: (أما التي في محل الضرورة فهي التي تتضمن حفظ مقصود من القصاص حياة وأما المال فهو محفوظ بشرع الضمانات والحدود وأما النسب فهو محفوظ بشرع الزواجر عن الزنا لأن المزاحمة على الأبضاع تفضي إلى اختلاط الأنساب المفضي إلى انقطاع التعهد عن الأولاد وفيه التوثب على الفروج بالتعدي والتغلب وهو مجلبة الفساد والتقاتل.

وأما الدين فهو محفوظ بشرع الزواجر عن الردة والمقاتلة مع أهل الحرب وقد نبه الله تعالى عليه بقوله قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر وأما العقل فهو محفوظ بتحريم المسكر وقد نبه الله تعالى عليه بقوله أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر فهذه الخمسة هي المصالح الضرورية).

وقال ابن مفلح في أصول الفقه ٣/ ١٢٨٢ عن المناسبات (ضروري أصلاً، وهي أعلى مراتب المناسبات، وهي الخمسة التي روعيت في كل ملة: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال)

وقال الشاطبي في الموافقات ٢/ ١٧: (القسم الأول: مقاصد الشارع

النوع الأول: في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة وفيه مسائل

المسألة الأولى:

تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام:

أحدها:

أن تكون ضرورية.

والثاني:

أن تكون حاجية.

والثالث:

أن تكون تحسينية.

فأما الضرورية، فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين والحفظ لها يكون بأمرين:

أحدهما:

ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود.

والثاني:

ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم).

مآلات النظرية المقاصدية:

لقد جاء الإسلام لمواجهة الطاغوت بكل صوره ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ سواء طاغوت الحكم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ أو طاغوت الطاعة والاتباع ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ وأمر بجهادهم ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾؛ فجعل المقاصديون الطاغوت الغربي نموذجا وحكَما!

وهناك فرق شاسع بين أحكام الضرورة والعجز حال الاستضعاف؛ فلا يكلف الله الأمة إلا وسعها، وبين اعتبار أحكام الاستضعاف أصلا وعزيمة وغاية؛ تسقط بها كل أحكام الاستخلاف؛ كما انتهى إليه المقاصديون حتى جعلوا موالاة العدو المحتل والتحالف معه والتزام منظومته وأنظمته؛ مقصدا لا ضرورة!

وخطورة النظرية المقاصدية تكمن في أنها تجعل من ممارسات دعاتها حكمة ومنظومة فكرية تبريرية لا يوجد فيها خطأ يمكن نقده ومراجعته!

حتى حين يفعلون الشيء ونقيضه!

فإن ثاروا وقاموا المحتل وأنظمته؛ فلأنه جهاد وفرض.

وإن سالموه وتحالفوا معه؛ فلأنها سياسة وحكمة!

فلا معيار شرعي وأخلاقي يمكن التحاكم إليه!

لقد كان الإسلاميون الحركيون يعيبون على الفقهاء التقليديين تحويلهم الأحكام إلى أسرار وطلاسم لا يحلها إلا هم لمصلحة السلطة دائما حتى عطلوا الشرع!

‏فجعل الحركيون المقاصد طلاسم لا يفقهها إلا هم حتى عطلوا الفقه!

فلا جهاد للمحتل ولا خلافة راشدة ولا أمة واحدة ولا نظام سياسي إسلامي ولا شريعة!

لقد كان الفقه المقاصدي عند الشاطبي وابن تيمية يتجاوز بالنص حدود ألفاظه إلى غاياته وِحكَمه ليتسع الشرع لكل الحوادث؛ فجاء الفقه المقاصدي المعاصر ليتجاوز النص ذاته لفظا ومعنى وحكمة إلى نقيض غاياته؛ فانتهى بتطبيقاته إلى تعطيل كلي للشرع نفسه وتقرير اللادينية والعلمانية نفسها!

ولوضوح هذه الغاية وهي كون علم المقاصد عصمة للفقيه من الوقوع في الزلل والانحراف عن الشريعة وأحكامها وذلك بمعرفة غايتها وعللها؛ كان أشهر علمائه - كالعز بن عبدالسلام الشافعي في (قواعد الأحكام في مصالح الأنام)، وابن تيمية الحنبلي في عامة كتبه، والشاطبي المالكي في (الموافقات) و (الاعتصام) - من أشد الفقهاء رفضا للبدع والمحدثات، وتحذيرا من الانحراف عن الشريعة والكتاب والسنة، وأشدهم تمسكا بها وبأحكامها، فلا يمكن أن تكون المدرسة المقاصدية الجديدة المعاصرة امتدادا لهم وهي تنتهي إلى التفصي من الشرع ونصوصه وأحكامه وهدم الفقه في باب الجهاد والسياسة والإمامة وأحكامها بدعوى تحقيق مقاصده وغاياته!

كما تحوّل النظرية المقاصدية دين الإسلام من هدايات تغييرية إلى فلسفة تبريرية، وتحيل المؤمنين من أمة إيمانية موحدة مشتعلة بروح الوحي وهدايته وقيم المحبة والأخوة والتضحية في سبيله إلى شعوب مادية هائمة؛ يبحث كل منها عن مصالحه وحلفائه، خامدة المشاعر خاملة العزيمة لا تدفع عدوا ولا تغير واقعا!

حتى وصل الحال أن حصر الحركيون المقاصديون العداء فقط مع إسرائيل، أما أمريكا وروسيا وأوربا وجيوشهم التي تغزو العالم الإسلامي وتحتل دوله كما في أفغانستان والعراق وسوريا وتقتل شعوبه وتهجر الملايين؛ فهي خارج دائرة العداء؛ بل يمكن التفاهم معها وقبول شروطها وقرارات الشرعية الدولية التي تصدرها!

فلم يعترض الحركيون المقاصديون على الحرب على الإرهاب التي اتخذها الغرب وأمريكا ذريعة منذ سنة 1995م لاحتلال العالم الإسلامي والسيطرة عليه عسكريا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا؛ وتبرعوا في مواجهة الإرهاب المجهول، وغضوا الطرف عن إرهاب أمريكا وروسيا لملايين المسلمين وتهجيرهم في العراق وسوريا!

كما تعايش المقاصديون مع الأنظمة الوظيفية التي فرضها الغرب في العالم العربي وبرروا لأنفسهم تعاونهم معها بالمصلحة وتحقيق المقاصد في الوقت الذي كانت سجون طغاتها تعج بآلاف الأبرياء في سوريا والجزائر ومصر منذ 1980 إلى 2010 حتى انقلب الطغاة عليهم؛ فلم تحمهم المصلحية والمقاصدية!

فهل إذا أجازت نظرية المقاصد للإسلاميين في المغرب وتونس تقديم كل هذه التنازلات للغرب ومنظومته السياسية؛ ليتخلوا عن نصوص القرآن وهداياته تحت ضغط الواقع، ستجيز أيضا للأنظمة الخليجية وعلمائها تبرير خضوعهم للمحتل الأمريكي مراعاة للمصالح والمقاصد؛ بما في ذلك التطبيع مع إسرائيل!

لقد رأى المقاصديون مآلات اجتهادهم حين جعلوا عقولهم حكما على القرآن وهداياته، وفرقوا بين أعداء الله ورسله، ووالوا من أمر الله بعداوتهم وجهادهم حتى عمت الفتنة؛ فإذا الأمة تتنازعها الولاءات بين خندقي أمريكا وروسيا ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾!

ولم يتنبه الإسلاميون لخطورة نظرية المقاصد التي جعلوها متكأ لهم لتعطيل أحكام الإسلام السياسية والاقتصادية والقضائية؛ ليكون أقصى ما يتمنون نظاما مدنيا أوربيا ديمقراطيا؛ حتى رأوا كيف استخدم علماء الثورة المضادة نظرية المقاصد والمصالح؛ لتبرير جرائمها، وللتحالف مع إسرائيل بعد هدم المبادئ!

ولن تستطيع القوى الإسلامية التي تراجعت عن المبدئية بدعوى المقاصدية والمصلحية أن تواجه الثورة المضادة -التي تتمثل الميكافلية والانتهازية بكل معانيها- إلا بالعودة للخطاب القرآني الإيماني والتسليم المطلق له وتحكيمه لا إخضاعه لأهوائها التي أضلتها حتى ركنت للطاغوت الوطني والدولي!