أهل السنة والجماعة الإشكالية العقائدية والرؤية المستقبلية
وقد جاءت هذه الدراسة وهي أول دراسة نقدية تحليلية لتاريخ أهل السنة والجماعة، وبداية ظهور هذا الشعار، والأصول العقائدية التي تجمعهم، والأصول السياسية التي أجمعوا عليها، وملامح الانحراف العقائدي والسياسي الذي تعرضوا له، والرؤية المستقبلية لمشروعهم السياسي الذي يجب أن يقوم على شعار نحو (أمة واحدة وخلافة راشدة)...

رأي الأسبوع
نظرات في السياسة الشرعية (4)

(السياسة بالمفهوم القرآني والنبوي)

بقلم د حاكم المطيري

ومن الشبه التي يثيرها المخالفون قولهم بأن الشارع لم يستخدم أصلا لفظة سياسة بمعناها المعروف اليوم، وإنما كلمة ساس يسوس فهو سائس، إنما وردت بمعناها اللغوي، وهو من قولهم ساس الفرس يسوسها فهو سائس!

وهذا الاعتراض أوضح دليل على عدم معرفة هؤلاء بالسنة ولغة الشارع، فقد جاءت كلمة سياسة بمعناها الاصطلاحي اليوم على لسان الشارع في الحديث الصحيح في مسلم (إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي! فقالوا فما يكون يا رسول الله؟ فقال يكون خلفاء فيكثرون فأوفوا بيعة الأول فالأول)!

وقال عمر رضي الله - كما في مصنف ابن أبي شيبة - (علمت والله متى تهلك العرب! إذا ساسهم من لم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم، فيعرف الورع، أو يدرك الجاهلية فيأخذ بأحلامهم)، وفي رواية (حين يسوس أمورهم من لم يعالج الجاهلية، ولم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم) !

وجاء عن علي رضي الله عنه قوله لزياد بن أبيه حين ولاه على فارس فتشدد في ولايته (إنه ليس لي ولا لك أن نسوس الناس سياسة واحدة، أن نلين جميعا فنحرج الناس في المعصية، ولا أن نشتد جميعا فنحمل الناس على المهالك، ولكن تكون للشدة والغلظة، وأكون للين والرحمة والرأفة)!

ففي الحديث النبوي وفي هذه الآثار الراشدية أوضح الأدلة على بطلان تلك الشبهة، فقد ثبت إطلاق كلمة سياسة على إدارة شئون الأمة، وعلى السلطة حيث كان الأنبياء هم ملوك بني إسرائيل الذين يسوسون أمورهم، ويحكمون بينهم بشرائعهم السماوية، وبما أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم ليسوس أمته ويحكم فيها بالكتاب والسنة، فقد أخبرهم عن طبيعة النظام السياسي الإسلامي الذي سيقوم بعد عهد النبوة، وهو الخلافة، وهي نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورئاسة عامة باختيار الأمة لسياسة شئون الأمة وفق أحكام الكتاب والسنة.

وقد استخدم الشارع، والخلفاء الراشدون بعده، لفظ سياسة في المدلول ذاته لهذه الكلمة في المفهوم المعاصر، وهو إدارة شئون الأمة، وموضوعها السلطة والحكم، وليس بمعناها الفقهي عند الفقهاء قديما، حيث قصروا كلمة سياسة على فرد من أفراد هذه الكلمة، وجزء من أجزائها، وهو الحزم وحسن التصرف في الولاية، بينما أطلقوا على موضوعها الأصلي (أحكام الإمامة) و(الأحكام السلطانية)!

أي أن السياسة بمعناها الفقهي اصطلاح عرفي حادث، أما السياسة بمعناها المعاصر فهي اصطلاح شرعي، حيث استعملها الشارع بمعنى السلطة والحكم!

وقد جاء في آيات كثيرة أن الله آتى الأنبياء الملك والحكم والنبوة لتأكيد هذا الأصل العظيم، وهو أن الله إنما أرسل أنبياءه ليطيعهم الناس، ويحتكم إليهم من آمن بهم، وهذه الطاعة تقتضي الحكم بينهم بشرع الله ودينه، أي أن تكون لهم السلطة للحكم بين الناس بالعدل، كما قال تعالى {وما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين}، وقال تعالى في شأن أنبيائه {أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة}، وقال تعالى {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة}، وقال {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبيهم لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله... وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا}.

وقال في شأن داود {وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة والنبوة}..الخ.

وقال أيضا في شأن داود {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله}.

فكل هذه الآيات تؤكد التلازم بين كل من :

أولا: الكتاب وهو الشرع المنزل من عند الله ليحكم به النبيون.

وثانيا: الملك وهو السلطة السياسية التي يسوس بها الأنبياء شئون أممهم كما في شأن داود وطالوت.

وثالثا : الحكم وهو القضاء والفصل بين الخلق بالحق الذي نزل به الكتاب!

والملك الوارد هنا في شأن طالوت وداود وغيرهم من أنبياء بني إسرائيل هو الملك المشروع، وهو السلطة المأذون لهم بها من الله بالوحي والنبوة، كما قال مجاهد في تفسير قوله تعالى {والله يؤتي ملكه من يشاء} قال (الملك السلطان)!

وقال ابن جرير الطبري في تفسيره 15/159 (الملك سلطان، والطاعة ملك)!

ولهذا أطلق القرآن على داود لفظ {خليفة} وحدد مهمته {فاحكم بين الناس بالحق}!

فالخلافة هي السلطة للحكم بين الخلق بالحق!

أي أن القرآن ذكر في كل الآيات السابقة السلطات الثلاث وهي:

1 ـ السلطة التشريعية: وتتمثل في الكتاب وهو الدستور والقانون.

2 ـ السلطة التنفيذية: وتتمثل في الخلافة والملك أي السلطة.

3 ـ السلطة القضائية : وتتمثل في الحكم بين الناس.

وكل ذلك يؤكد بطلان الشبه حول عدم تحدث القرآن عن أصول السياسة وأنه ليس له هديات في هذا الباب!